الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

السـلفية وتشـويه العـابثين - الدكتـور/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



السـلفية وتشـويه العـابثين 

 

الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين؛ أما بعد:

لَم يستطيعوا أن يقتلعوا الإسلام من جذوره، عندما كانت المواجهة صريحة للقضاء عليه، فلم يكن لهم ما أرادوا عندما قاموا بمعاداة اسم الإسلام جهارا،ً قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة33-32]. وسأتكلم على الدور الذي يمارسه بعض من يدعي السلفية، وهو يقوم على تشويه مبادئ السلفية ومبادئ الإسلام.


السلفية هي الإسلام... والإسلام هو السلفية


الإسلام هو الإسلام؛ فلا يُعرفُ الإسلام بالإسلام الجهاديِّ، ولا يوصف بالإسلام العلمي، فهو دعوة شُمولية أعلاها وأفضلها وأرفعها؛ لاإله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فقد روى البخاري (9) ومسلم (35) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وفي روايةٍ لأحمد في المسند (2/379) بإسناد صحيح: «الإيمان أربعة وستون بابا؛ أرفعها وأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».


السلفية شعار الاعتقاد السليم والعمل الصحيح


فالسلفية اسم عام يشمل كل اعتقاد وعمل؛ عبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك؛ ولقد كان القدوةُ والسلفُ في هذا الأمرِ كلِّهِ؛ هو صاحب الرسالة، وحامل الوحي؛ النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام الذين نصروا دعوته، واقتدوا بهداه، ونشروا دينه، وبلغوا سنته، ولم يَحيدوا عن أثره أو يُخالفوا أمره.

ما خبر السلفية العلمية، والسلفية الجهادية، والسلفية القتالية ؟!

قد بينا أن الإسلام لا يعرف بالإسلام العلمي، ولا يوصف بالإسلام الجهادي، ولا ينبغي أن يطلق عليه الإسلام الحركي؛ وهو اصطلاح المثقفين المعاصرين، وكذلك الحذر من تسميته بالإسلام السياسي، وذلك لَمز المعادين وقول المخالفين، قال تعالى:  (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) [الكهف: 5]، وقال تعالى:  (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [العنكبوت: 68]، وقد ورد ذكر الإسلام في كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة مطلقا من غير قيد، كما في قوله تعالى:  (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا? [المائدة: 3]. فإذا كان لا يصح أن يقال الإسلام العلمي؛ فلا يصح تركيب السلفية العلمية، إلا إذا كان ما أرادوه معنى آخر، وإذا كان لا يقال الإسلام الجهادي، فلا يصح تركيب السلفية الجهادية، إلا إن أرادوا معنى مغايراً عن الإسلام، وإذا كان لا يصح القول بالإسلام السياسي، فكذلك السلفية السياسية تخالف مفهوم الإسلام، هذا على التسليم إن كانوا يوافقوننا ويذهبون إلى أن الإسلام النقي؛ هو السلفية، والسلفية الصافية؛ هي الإسلام.


ما حده الشرع وعَرَّفه مُنِعَ تجاوزه


إن ما ذكره الشرع وعَرَّفه منع من تجاوزه، قال تعالى: -  (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) - [البقرة: 169]، ومما تقدم نعرف: (1) إن امتثال الإسلام مطلق من غير قيد، (2) والاتباع مطلق من غير قيد، (3) وأن السير على نَهج السلف مطلق بلا قيود، (4) واصطلاح السلفية يطلق من غير قيود، والسلفية هي الإسلام في شموله الذي بُعث به سيد الأولين والآخرين رحمة من رب العالمين، وما ضل من ضل من الطوائف والفرق، وما جرى من محن وفتن وويلات على أمة الإسلام، إلا بسبب الانحراف عن عموم الإسلام، وانتزاع النصوص، وتجزئة الشرع والدين، و ذهبت كل فرقة بفهم وجزء من الشرع، وجعلته أصولا مرجع المريدين عليه، ويتحاكم الخلق إليه، وفُهِمَتْ نصوص الشرع مفرقة دون جمع بينها، والله المستعان.

الفرق بين السلفية والسلفية العلمية (السياسة) أو السلفية الجهادية

السلفية التي ذكرها أهل العلم واصطلحوا عليها؛ تعني الإسلام بشموله ورخصه وعزائمه، وتعني الدقة والجد في الاقتداء، والعمل بالنقل من النصوص الشرعية، والآثار الصحيحة، و طرح الرأي والاستحسانات العقلية، فطريق النقل واحد من عند الله، وعقول البشر مختلفة وشتى، فهل يستويان مثلا، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر: 29]، لا يستوي التلقي من طريق واحد معصوم، والتلقي من جهات متفرقة غير محصنة بالعصمة قائمة على الاختلاف والتفاوت، وصدق الله: ?الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ?.


السلفية طريقة العلماء الأجلاء


فاعلم رحمك الله أن هذه الأسماء المستحدثة من سلفية علمية (سياسية )، وسلفية قتالية ( جهادية )، ما أنزل الله بِها من سلطان، فلا يغتر بِها إنسان من عوام المسلمين مِمن يُحسنون الظن بالسلفية وطريقة العلماء الأجلاء، ولا يضرنا ما أفسدته على الناس في أمور الدين والدنيا، قال تعالى:  (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) [الرعد: 17]، وعلينا العمل والاقتداء بسلف الأمة في كل شؤون الحياة، والاهتمام بأمور الشرع، واتباع السنة في الصغير منها والكبير، وكما جاء باللفظ الشرعي «أعلاها وأدناها»، بلا قيود ومن غير حدود، إلا ما جاء الشرع ببيان حده، وكشف عن ضوابطه وقواعده.

تقييد مفهوم السلفية تشويه لمعنى الإسلام.

وما تلك الممارسات المنحرفة والجرائم البشعة وسفك الدماء المعصومة إلا نوع من جنس أعمال الخوارج، بل الخوارج في أوج مذهبهم لَم يحصدوا ويفسدوا كما أفسد أولئك المعاصرون، ويشاهد العالم المسلم والكافر عبث هؤلاء الذين أوقعوا الأمة في ويلات وجروا على المسلمين الآمنين أذى علمه القاصي والداني ووصلوا إلى درجة تشويه الإسلام و باسم السلفية أيضاً.


إياك والسلفيات المزورة


اخواني رحمكم الله إن الانتساب إلى الإسلام والسلفية، وكونه ما زال في دائرة الإسلام لا يمنحه ذلك البراءة من أفعاله وجرائمه، ومعلومٌ أنه اتخذ شعار السلفية مستغلا نقاء الاسم وطهارته ليدرك جرائمه، وهذا التزوير لن يشفع له، فالسلفية منه براء، بل سلفه الخوارج والعابثون، فكيف وقد سَمَّى نفسه بالسلفية الجهادية ( القتالية) قال تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ) [التوبة:30]، وأخذ يسفك بيديه دماء المسلمين الآمنين قال تعالى:  (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)  [الأنفال: 30].


السلفية تعصم الدماء وتحفظ الحرمات


ألا يوقف من يسمون أنفسهم بالسلفية الجهادية ويردعها النصوص الشرعية من الكتاب والسنة:

-1 قال تعالى: ?..مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)  [المائدة:32]

-2 وروى البخاري (1741) ومسلم (1679) في صحيحيهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم؛ عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب».

-3 وروى البخاري(6862) في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما».ولذلك قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صحيح البخاري (6863): (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفك الدم الحرام بغير حله).

-4 وروى أبو داود في سننه (4882) وابن ماجه في سننه (3933) وصح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله، وعرضه، ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». ولنا وقفات مع السلفيات المزورة كالسلفية العلمية الجناح السياسي المنشق على أحد الجماعات العاملة في المجتمع. ولله الحمد من قبل ومن بعد.




تاريخ النشر 18/08/2008 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127