الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (3) الدكتور عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (3)

د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

ما زلنا مع قصة الغلام والساحر والراهب في دولة الملك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: »كان ملكي فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه« وقد بينا فيما سبق أن السحر كان علما في الأمم السابقة، ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا السَّاحًرُ) [الزخرف:49]» أي: يا أيها العالًم! الكامل الحاذق، وذكر ذلك على وجه التوقير والتعظيم له، لأن السحر عندهم كان علمًا وصفة ممدوحة، ولَم يكن السحر صفة ذم عندهم، وهذا ظاهر في قوله: »فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر«.


ومن الفوائد من هذا الحديث:


(العلم... وحاجة التعلم إلى الأستاذ والشيخ)

في قوله: »فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه«، إشارة إلى التعليم ودليل لأهمية العلم، وإن كانت العلوم على أنواع وفنون مختلفة، وتنقسم من حيث النفع والضر الى قسمين الأول منها: علوم خير، تعم بنفعها العباد والجماد، الثاني: علوم شر ضررها يبلغ الآفاق.


وقوله: »فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه«:

1ـ توجيه وإرشاد إلى حاجة العلم وتبليغه إلى أستاذ ومعلم حاذق، وإلا لاكتفى الساحر بإرسال كتبه إليه، وطلب منه مذاكرتها، والاستعانة بها، وحفظها، وهذا ليس بكاف لضبط العلم، والتمكن منه، وتحصيل فوائده.

2ـ وفي ذلك شرف وميزة لأهل العلم، فالعلم يؤخذ من أهله، وكل فن يستعان بأستاذه الذي برع فيه وأجاده، فأهل كل فن أدرى بفنهم.


(العلم في الصغر كالنقش على الحجر)


3ـ ويستفاد من قوله: »غلاما أعلمه«، أن طلب العلم في الصغر حفظ للعلم، وقد قيل: حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل بعد ما يكبر كالكتابة على الماء.

وقيل شعرا:

أراني أنسى ما تعلمت في الكـبر

ولست بناس ما تعلمت في الصغر

ومـا العلم إلا بالتعلم في الصبا

ومـا الحلم إلا بالتحلم في الكبر

ولو فلق القلب المعلم في الصبـا

لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر


(المؤسسة التعليمية بين الساحر والراهب)


وفي قوله: »فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، [ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك]، وإذا خشيت أهلك، فقل حبسني الساحر«.

قوله: »فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه«، هذا ذكاء من الغلام في مرحلة التعليم، فلم يقبل أن يكون عقله محتكرا لجهة معينة، ولم يستسلم لمعلم أو أستاذ بعينه، وهذا الذي جعله يقف على معلم آخر، وهو الراهب، ولَم ينفر منه أو يخافه: »فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه«، وبدأ بالاستفادة والتعلم من الجهتين وعقد المقارنة بين المعلمين والأستاذين، والفريقين. وعُلًم من القصة أن في دولة الملك مؤسستين تعليميتين:

(1) المؤسسة التعليمية للساحر، وهي جهة تنشر العلوم الضارة والمفسدة للأذهان والعقول، وهي المؤسسة التي تمثل السياسة التعليمية في الدولة، فتأخذ قوة الانتشار، وإلزام الناس بًها من الملك.

(2) والمؤسسة التعليمية للراهب، وهي الجهة التي تنشر العلم النافع، وتنبه على العلوم الضارة وما فيها من الشر، وغيرها من العلوم مًما يكون سببا في تحريف للعقائد والعبادات وفساد لمعاملات الناس.


(لا تقلّد أحدا، ولا تسلم عقلك لكل معلم)


إن الغلام لَم يستسلم لمعلم واحد، ولَم يحصر عقله في مصدر واحد، وهو المتمثل بالساحر، ولذلك لا نراه امتثل لأمر الملك في مسألة التعليم، وكان على درجة عالية من الذكاء والتوفيق، جعلته يطلق العنان لعقله، ويمنحه حرية مطلقة في التنويع بحثاً عن المعلم البارع، والموجه الصالح، أملاً في الوصول إلى الحقيقة المفقودة والسعادة المنشودة.


(الجرأة في نقد الانحراف والاعوجاج)


وليعلم الجميع أن ما نراه من تفرق واختلاف بين الناس، وتأسيسي المذاهب العقدية المختلفة، وظهور المدارس الفقهية والتعصب المذهبي للأئمة والعلماء، ما كان ليحدث إلا بسبب حصر العقول في مصدر محدود، والتعصب لطريقة أو حزب أو شيخ أو أستاذ بعينه، ولو أن كل أحد ضبط عقله وهواه وفق الكتاب والسنة، ومنح عقله البحث والتدبر والنقد معتمداً على الكتاب والسنة،ي وهي الأصول المعصومة التي لا تقبل خلافاً، وجعل كل غير معصوم لا يسلم من الزلل، ويقع في الخطل الخلل، عرضة للاستدراك على كل خطأ يقع منه، والتعقب على ما يلاحظ من خلل، وكذلك يصبح متجردا يملك الجرأة في نقد الانحراف والاعوجاج عن الصراط المستقيم، ورد كل أمر جاء على خلاف الكتاب والسنة، وروى البخاري (2697) ومسلم (1718) في صحيحيها من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »مَنْ أَحْدَث في أَمرًنا هذا ما ليس فيه فهو رَدّي«، وفي روايةي لًمسلم فًي صحيحه (1718): »من عمل عملاً ليس عليه أمْرُنا فهو رَدّ«.

وقال تعالى: *وَلاَ تَتَّبًعُوا أَهْوَاءَ قَوْمي قَدْ ضَلُّوا مًنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثًيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءً السَّبًيلً* [المائدة: 77]، وقال تعالى: *اتَّبًعُوا مَا أُنْزًلَ إًلَيْكُمْ مًنْ رَبًّكُمْ وَلاَ تَتَّبًعُوا مًنْ دُونًهً أَوْلًيَاءَ قَلًيلا مَا تَذَكَّرُونَ * [الأعراف: 3]، وقال تعالى: *وَكَذَلًكَ مَا أَرْسَلْنَا مًنْ قَبْلًكَ فًي قَرْيَةي مًنْ نَذًير إًلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إًنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإًنَّا عَلَى آَثَارًهًمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جًئْتُكُمْ بًأَهْدَى مًمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهً آَبَاءَكُمْ قَالُوا إًنَّا بًمَا أُرْسًلْتُمْ بًهً كَافًرُونَ* [الزخرف:23ـ24].


(براءة الشيطان ورائد الانحراف من أتباعه)


عندما لا تعرف قيمة نعمة العقل، وتقوم بإهدائه إلى غيرك من الناس سيفعل به ما يشاء، تارة يورده مهالك المشارق، وتارة يذهب به إلى ظلمات المغارب، ولا غرابة إن وجدته يحصد لك الشر من كل واد وانظر إلى الشيطان كيف تبرأ من كل أحدي جعله وكيلا على عقله، كما جاء في قول الله تعالى: *وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضًيَ الأَمْرُ إًنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقًّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لًيَ عَلَيْكُمْ مًنْ سُلْطَان إًلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لًي فَلاَ تَلُومُونًي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بًمُصْرًخًكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بًمُصْرًخًيَّ إًنًّي كَفَرْتُ بًمَا أَشْرَكْتُمُونً مًنْ قَبْلُ إًنَّ الظَّالًمًينَ لَهُمْ عَذَاب أَلًيم * [ابراهيم:22]،


(براءة المتبوع من التابع)


وتمعن كذلك في الذين اتبعوا الشيطان وكانوا رؤوساً ودعاة للضلال كيف يتبرؤون من أتباعهم، الذين قلدهم وأعطوهم نعمة العقل كي يفعلوا به ما يشاءون ثقة بهم كما يزعمون، قال تعالى: *إًذْ تَبَرَّأَ الَّذًينَ اتُّبًعُوا مًنَ الَّذًينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بًهًمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذًينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مًنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مًنَّا كَذَلًكَ يُرًيهًمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَات عَلَيْهًمْ وَمَا هُمْ بًخَارًجًينَ مًنَ النَّارً* [البقرة: 166ـ167]، وقال تعالى: *وَلَوْ تَرَى إًذً الظَّالًمُونَ مَوْقُوفُونَ عًنْدَ رَبًّهًمْ يَرْجًعُ بَعْضُهُمْ إًلَى بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذًينَ اسْتُضْعًفُوا لًلَّذًينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمًنًينَ قَالَ الَّذًينَ اسْتَكْبَرُوا لًلَّذًينَ اسْتُضْعًفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنً الْهُدَى بَعْدَ إًذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرًمًينَ وَقَالَ الَّذًينَ اسْتُضْعًفُوا لًلَّذًينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلً وَالنَّهَارً إًذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بًاللَّهً وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا* [سبأ :31ـ33]

وإلى أن نلتقي مع فوائد أخرى من حديث صهيب في مسلم والحمد لله على نعمة العلوم النافعة، وعصمنا الله وإياكم من كل علم لا يأتي بخير.


تاريخ النشر: الاثنين 21/7/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127