الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (2) الدكتور عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (2)

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

نكمل ما بدأناه من ذكر الفوائد والفرائد العزيزة من قصة الغلام والملك و الساحر والراهب التي أخبر بها النبي صلى الله علبه وسلم أصحابه.

فوائد من متن الحديث:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر».

1- وفي هذا إشارة ودليل على تناول القصص والأمثال في الدعوة إلى الله، قال الله تعالى: (وَتًلْكَ الأمْثَالُ نَضْرًبُهَا لًلنَّاسً وَمَا يَعْقًلُهَا إًلا الْعَالًمُونَ) [العنكبوت:43]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لًلنَّاسً فًي هَذَا الْقُرْآَنً مًنْ كُلًّ مَثَلي لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الزمر: 27]، وفي قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)» أي: أن في الأمثال ما يُقَرّب المعاني للقول والأذهان، كما في قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مًنْ أَنْفُسًكُمْ) [الروم: 28] أي: تعلمونه من أنفسكم.

القصص والأمثال تقرير للتوحيد

2- وهذا القصص إًنّما يُذْكَرُ وسيلةً لعبادة الله وحدة لا شريك له، قال تعالى:(فَاقْصُصً الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 176]، وقال تعالى: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) [ إبراهيم: 46]، ونذكر أمثلته من كلام الله: قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنً أَحَدُهُمَا أَبْكَم لاَ يَقْدًرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجًّهْهُ لاَ يَأْتً بًخَيْري هَلْ يَسْتَوًي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بًالْعَدْلً وَهُوَ عَلَى صًرَاط مُسْتَقًيم) [النحل: 76]، وقال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فًيهً شُرَكَاءُ مُتَشَاكًسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لًرَجُل هَلْ يَسْتَوًيَانً مَثَلا الْحَمْدُ لًلَّهً بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [ الزمر: 29].


(هَلْ يَسْتَوًيَانً مَثَلا)


هذا المثل ضربه الله عز وجل للكافر والمشرك الذي يعبد آلًهة شتى، في حالة مشابهة للعبد المملوك لجماعة مختلفين، متشاكسين فيه لا اتفاق بينهم على شيء، فتستحيل طاعة المختلفين وتلبية رغبات الجميع. والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله وحده، فهو أشبه بالعبد المملوك لرجل واحد، وقوله: (هَلْ يَسْتَوًيَانً مَثَلا) استفهام إنكاري، أي: لا يستويان، ثُم قال: (الْحَمْدُ لًلَّهً) أي: ولله وحده يُصرفُ الحمدُ كُلُّه لا يشاركه إله آخر من الآلًهة أو المعبودات.


أنواع القصص والقصاص والوعاظ


ذكر القصص والأمثال في مجالس الذكر وبيان التشريع للناس على أنواع:


أولا: قصص لبيان التوحيد والدعوة إليه


قصص يتعرض لمسائل التوحيد والاعتقاد، ويدعو إًلَى الغاية التي لأجلها خلق الله عباده، وبعثَ الرسل للدعوة إلى ذلك، وأنزل الكتب لبيان دينه وتوضيح شريعته، قال تعالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً) [الذاريات: 56]، والقرآن إًمَّا خَبَر أو إنشاء وطلب، وكل ما ذُكًرَ فيه دائر على معنى التوحيد، وكيف يتحقق، وجزاء الموحدين في الدنيا والآخرة، وذكر جزاء المشركين، والواجب أن تكون الدعوة والمنهج والطريقة على هذا المنوال ولا تخالف ذلك السبيل تبياناً لدين الله عز وجل وأما غير ذلك من السبل والدعوات فلا قيمة له، عندما خالف الصواب.


ثانيا: قصص لامتاع السامعين، لا يحذر من شرك أو مشركين


وقصص لا نفع فيه، اشتهر به كثير من القصاص والوعاظ في كل زمان ومكان، مادته التسلية والإمتاع، والمسابقة إلَى لفت انتباه السامعين، من ذكري للنادر من الأقوال، والشاذ من الأفعال، والمهارة في سرقة أوقات الناس بالقصص المختلق، دون تقديْم أدنى فائدة تعزز مسائل التوحيد الاعتقاد في نفوس العباد، وعمدتها ومادتها، أمثلة وكلام للقصاص يضفي عليها صاحب القصة شيئا من زخرفً القول، وتلاعبي ببعض المفردات والألفاظ، وهذه ملكة وأسلوب وطريقة للقصاص بعيدة عن أسلوب ومنهج القرآن، فلا يلتفت القصاص إًلَى النصوص الشرعية، فلا يحسنون هذه البضاعة الثمينة، والله تعالى يقول: (فَذَكًّرْ بًالْقُرْآَنً مَنْ يَخَافُ وَعًيدً) [ق: 45]، وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشًّعْرَ وَمَا يَنْبَغًي لَهُ إًنْ هُوَ إًلا ذًكْر وَقُرْآَن مُبًين لًيُنْذًرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحًقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافًرًينَ) [يس: 69-70]، والخير كله في كتاب الله، وفيه نجاة المؤمنين وفكاك الموحدين.


ثالثاً: قصص يدعو إلى الشرك


وقصص خلاف ذلك، لا علاقة له بتوحيد الله، ودعوة الأنبياء والمرسلين، قائم على هدم التوحيد وتعظيم للشرك، والقصص والأمثال، عند هؤلاء تقوم على ذكر خلق الأحداث الزائفة والمكذوبة، لًجعل النفع والضر بيد بعض المخلوقات، وأن من الناس من يَملك جلب النفع، ودفع الضر، فيلجأ الجهال إليه، طلبا للسعادة والنجاة والشفاء والعياذ بالله.

قول النبي صلى الله عليه: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إًنًّي قد كبرت، فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه».


[ملك وليس ملكة!]


قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم»:

(1) منذ القدم وحياة الناس وقيام الدول والممالك، لا تنتظم إلا بوجود رئيس على هذه الممالك والدول، فوجدوا بالتجربة أن المصالح مرتبطة بالالتفاف حول ملك للمملكة أو رئيس للدولة، وإلا لعم الخراب الديار، ودمرت الفوضى حياة الناس ودنياهم.

(2) يلاحظ أنه لَم يكن سعيي من دعاة الإصلاح إلى الاستيلاء على سلطة الملك، ولكن كان السعي إلى إصلاح الملك وسكان المملكة، كما سيأتي بيانه في القصة، فالخروج ضياع لمصالح المجتمعات.


طائر ينتقد الحكم وينكر الشرك


وقال:«كان ملك»، ولَم يقل كانت ملكة، للتنبيه على أصل وهو أن قيادة الامم والممالك والدول في يد الرجال دون غيرهم، وهذا الأصل أن الناس تنقاد لقيادة الرجال، ومخالفته خروج عن المألوف وما عليه الناس، وهذا سبب إنكار الطير (هدهد سليمان) الذي كان في مملكة يقودها ملك، فأنكر على مملكة سبأ من مشاهداته أمران: قال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لًيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مًنَ الْغَائًبًينَ لأُعَذًّبَنَّهُ عَذَابًا شَدًيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتًيَنًّي بًسُلْطَان مُبًين فَمَكَثَ غَيْرَ بَعًيد فَقَالَ أَحَطتُ بًمَا لَمْ تُحًطْ بًهً وَجًئْتُكَ مًنْ سَبَإ بًنَبَإ يَقًين يإًنًّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلًكُهُمْ وَأُوتًيَتْ مًنْ كُلًّ شَيْء وَلَهَا عَرْشي عَظًيم وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لًلشَّمْسً مًنْ دُونً اللَّهً وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنً السَّبًيلً فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ) [ النمل: 20 - 24]،

(1) أنكر حكم المرأة للدولة - يإًنًّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلًكُهُمْ - (2) وأنكر وجود الشرك في المملكة وجد الناس يعبدون غير الله، فلا يعبد الله وحده، (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لًلشَّمْسً مًنْ دُونً اللَّهً وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ).


المـلك ونظـام الساحر


ملك في مملكة وله ساحر هو مستشاره المقرب في أمور مملكته، وهذا الساحر هو رمز القانون ومرجع إدارة شؤون ملكه، والدليل حاجته له، «وكان له ساحر»، وحرصه على استمرار علمه وتوارث تعاليمه، «إًنًّي قد كبرت، فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر»، ولذا استجاب الملك له فهو الملجأ، ورجل المهمات الصعبة وحامل لواء العلم الوضعي: «فبعث إليه غلاما يعلمه»، وهذا دليل على عظم شأنه، ومكانته العالية في ملكه، وأهميته قانونه الذي طلب ألا ينقل إلا إلى غلام فطن ذكي. فقال: «غلاما أعلمه السحر». السحر يعلم ويدرس ولأهميته فضل أن يكون غلاما صغيرا فطنا حتى يستوعب ويحفظ ما يتعلمه على يد الساحر الذي خشي بعد كبر سنه على الهلاك وينتهي هذا العلم من الملكة، فتخسر أحد علمائها وأعيانها، وتفقد أحد مواردها المهمة، وتفقد شيئا من دستورها ونظامها.


قال تعالى: (يَا أَيُّهَا السَّاحًرُ) !

وجرى الأمر في الأمم السابقة أنهم كانوا يسمون العلماء سحرة، ويعظمون السحرة، ويقربونهم، ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا السَّاحًرُ) [الزخرف:49]»أي: يا أيها العالم! الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرًا وتعظيمًا له، لأن السحر عندهم كان علمًا عظيمًا وصفة ممدوحة، ولم يكن السحر صفة ذم عندهم.


الساحر رمز الظواهـر السلبية


والصواب والحق أن الساحر رمز للباطل في كل دولة، وعلامة على الظواهر المنكرة في كل مكان، ولقد استعان بهذا الباطل فرعون لمواجهة دعوة نبيه موسى عليه السلام، والوقوف في وجه الحق، قال تعالى: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فًرْعَوْنَ قَالُوا إًنَّ لَنَا لأَجْرًا إًنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالًبًينَ قَالَ نَعَمْ وَإًنَّكُمْ لَمًنَ الْمُقَرَّبًينَ) [الأعراف: 113-114]، والسحر منكر وباطل والساحر على باطل بالأدلة القطعية قال تعالى: (وَلا يُفْلًحُ السَّاحًرُ حَيْثُ أَتَى) [طه:69]، وقال تعال:(قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لًلْحَقًّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسًحْري هَذَا وَلاَ يُفْلًحُ السَّاحًرُونَ) [يونس:77]، وقال تعالى: (فَأُلْقًيَ السَّحَرَةُ سَاجًدًينَ قَالُوا آَمَنَّا بًرَبًّ الْعَالَمًينَ رَبًّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الشعراء:46-48]، وتتمة الفوائد في أعداد قادمة بإذن الله والحمد لله على توفيقه.


تاريخ النشر: الاثنين 7/7/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127