الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (1) الدكتـور عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                

الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (1)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:


هذه بعض فوائد منتقاة من قصة الغلام مع الراهب وأولئك النفر الذين آمنوا بالله، وأبوا إلا التمسك بدين الله، والبقاء على ما عرفوا من الحق، فكان أن حفرت لَهم الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، فمن أبى إلا الثبات على الحق في سبيل الله تعالَى، أمر الملك بإلقائه في الأخاديد، عقاباً له ولًمن لَم يرجع عن دينه، ويؤمن بتعاليم الساحر ويدخل في دين الملك.


فوائد من قصص أصحاب الأخدود


روى مسلم (3005) في صحيحه قال: حدثنا هداب بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر» فقل حبسني أهلي، [وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك]، وإذا خشيت أهلك» فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال اليوم أعلم آلساحر أفضل أم [أمر] الراهب أفضل [أحب إلى الله]؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم ! إن كان أمر الراهب أحب إليك [وأرضى لك] من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يَمضي الناس، فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب، فأخبره، فقال له: الراهب أَي بُنَي أنت اليوم أفضل منًي، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بًهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً إًنَّما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟قال: رَبًّي قال: ولك رب غيري ؟! قال: رَبًّي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أَيْ بُنَي قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إًنًّي لا أشفي أحداً إًنَّما يشفي الله، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأَبَى، فدعا بالمئشار، فوضع المئشار على مفرق رأسه فشقه، حتى وقع شقاه، ثُم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأَبَى، فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به، حتى وقع شقاه، ثُم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فَأَبَى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم! اكفنيهم بَما شئت، فرجف بًهم الجبل، فسقطوا، وجاء يَمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟! قال كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به، فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم! اكفنيهم بًما شئت، فانكفأت بًهم السفينة، فغرقوا، وجاء يَمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟! قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي» حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثُم خذ سهما من كنانتي، ثُم ضع السهم في كبد القوس، ثُم قل: باسم الله رب الغلام، ثُم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثُم أخذ سهما من كنانته، ثُم وضع السهم في كبد القوس، ثُم قال: باسم الله رب الغلام، ثُم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لَم يرجع عن دينه، فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لَها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لَها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق«. وأحمد في المسند (6/16)، والنسائي في السنن الكبرى (6/510) من طريق عفان بن مسلم.


الحديث من أفراد مسلم


انفرد مسلم بإخراج الحديث في كتابه »الصحيح«، ولم يخرجه البخاري في »الجامع الصحيح«، وقد صنفت كتب في هذا الفن تذكر أفراد البخاري على »صحيح مسلم«، وأفراد مسلم على »صحيح البخاري«، ولنا كتاب في هذا الباب يسر الله إخراجه.


رجال الإسناد


ـ1 هداب بن خالد: هو هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبة القيسي البصري، روى له الشيخان.

ـ2 حماد بن سلمة: هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، من رجال مسلم، وروى له البخاري تعليقا، وحماد بن سلمة» أعلم الناس بحديث حميد الطويل، وقيل: حماد أعلم الناس بثابت، وهذا الحديث من روايته عنه، وفي طبقته حماد بن زيد بن درهم البصري، من رجال الشيخين.

ـ3 ثابت: هو ثابت بن أسلم البُنَانًي البصري، من رجال الشيخين.

ـ4 عبد الرحمن بن أبي ليلى: المدني ثُم الكوفي، من رجال الشيخين.

ـ5 صهيب بن سنان أبو يحيى مات بالمدينة، وروايته في صحيح مسلم.


لطائف في الإسناد


ـ1 الحديث مدني، ثم أصبح كوفيا، وبعد ذلك حمله البصريون عن ابن أبي ليلى الكوفي القادم من المدينة، حتى سَمًعه مسلم بن الحجاج من شيخه هداب بن خالد البصري. وتوفي أبو يحيى صهيب الرومي في المدينة سنة ثمان وثلاثين ولَم يغادرها، وقد بدأ الحديث حجازيا، وانتهى عراقيا بين الكوفة والبصرة.

ـ2 رجال الحديث: مدني، ومدني كوفي، وثلاثة بصريين.

ـ3 ليس لصهيب رضي الله عنه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، وانفرد مسلم بذلك.

ـ4 هداب أوهدبة بن خالد البصري، شيخ لصاحبي الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج.

ـ5 في الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه عنعنة في موضعين.

ـ6 وفيه رواية تابعي (ثابت البناني)، عن تابعي (عبد الرحمن بن أبي ليلى).

وفي أعداد قادمة بإذن الله سيكون لنا وقفات وكلام على المتن وما فيه من فوائد، وأخيراً الحمد لله على فضله وكرمه وإحسانه.


الدكتـور عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر: الاثنين 30/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127