الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (4) الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (4)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:

تنبيه: ما زلنا مع رسم طريق الموحدين وتحديد الصراط المستقيم، وبيان افتراق المسلمين، والذي جاء إثباته بالأدلة النقلية والبراهين العقلية، والتنبيه على الاهتمام بًما ذكره أهل العلم في كتب السنة وأصول الاعتقاد، دون نظري إلى كتابات المعاصرين، فهذه مسائل قد حسمت، وما طرق باب التجديد فيها إلا نوع عبث في الدين، ولست أرى في الأفق شيئا أفسر به هذه الكتابات غير محاولة لتبديد سحب السلفية، التي عمَّ خيرها أنحاء المعمورة، مًمَّا زاد غيظ أولئك الذين ليسوا على السبيل المستقيم، وهذه دعوة ستؤتي أكلها بإذن الله، رغم ما يبذله المخالفون من محاولات النيل منها، وأنها دعوة تفرق المسلمين.


لماذا المراجعات العصرية في حديث الافتراق


وهذا سر المراجعات والعودة بالنظر من جديد لقراءة حديث الافتراق بنظرة عصرية، ولست أدري هل وقفوا على كتابات زاهد الكوثري، ذاك الرجل الذي أزرى بنفسه وأجهد أتباعه في هذه المسألة، عندما تفجر حقداً بعد النظر في مصنفات أهل السنة والجماعة في الاعتقاد فوجد نفسه في طريق وأهل السنة والجماعة على الطريق.

العودة إلَى الرد على مراجعات المعاصرين كـ (الجديع) والعودة

= أفضلية الأمة لا ينفي وقوع التفرق في أمة الإسلام

قال الكاتب: ثانياً: هذه الأمة هي أفضل الأمم عند الله تبارك وتعالَى: فهي بيقين قطعي بًمحكمات الكتاب والسنة أفضل من الأمم السابقة، أفضل من أمم أهل الكتاب: من اليهود في زمانهم، ومن النصارى في زمانهم» ولذلك قال الله سبحانه: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرًجَتْ لًلنَّاسً"[آل عمران: 110]، وقال سبحانه "وَكَذَلًكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"[البقرة: 143]. النصوص النبوية في ذلك متواترة مقطوع بها» فهذه الأمة هي أفضل الأمم، وينبغي أن لا يفهم من الحديث أن الأمم السابقة أقل اختلافا من هذه الأمة، وبالتالي هي أفضل أو أقل شراً.اهـ

والرد عليه من وجوه:

ـ1 قوله: فهي بيقين قطعي بًمحكمات الكتاب والسنة أفضل من الأمم السابقة، قلت: كونها أفضل من الأمم السابقة لا ينفي وقوع التفرق والاختلاف في أمة الإسلام، كما هو واقع ومشاهد، وهل يستطيع الكاتب أن يقول ليس هناك فرق كـ (الخوارج والمرجئة والأشاعرة والمعتزلة و الجهمية)، وغيرها من فرق وطوائف المسلمين، أم أنه لا يرى هذا اختلافاً وتفرقاً !


الدعوة إلى إهمال الفروقات العقدية» نزع للولاء والبراء


ـ2 أم هو في حقيقة الأمر دعوة إلَى إهمال الفروقات العقدية وإزالة الحواجز الشرعية بين فرق المسلمين، ذاهبا في الدعوة إلى نظرية الجمع، ونزع الولاء البراء من قلوب وعقول أهل الحق.

ـ3 قال الكاتب: وينبغي أن لا يفهم من الحديث أن الأمم السابقة أقل اختلافا من هذه الأمة، وبالتالًي هي أفضل أو أقل شراً. اهـ قلت: ومن قال بذلك من أهل التحقيق في مسائل الاعتقاد من أهل السنة، ومن فهم ذلك من أهل السنة والجماعة؟!

ـ4 ومعلوم أن هذه الأمة هي خير الأمم، وأفضلها على الإطلاق، وما يحدث فيها من تفرق واختلاف ليس بًمفضي إلى التخليد في النار» أو أن أهل الكبائر من هذه الأمة عذابهم أشد من عذاب الأمم السابقة، كما ثبت في النصوص الشرعية، وهذا يَردُّ الفهم الذي يدندن حوله الكاتب» بأن قلة عدد المختلفين يجعلهم الأفضل والأقل شراً.


لا مفهوم للعدد، فًي حديث الافتراق


ـ5 لا مفهوم للعدد، فًي حديث الافتراق فقوله: »افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين«، كما لا مفهوم له في قول الله تعالى:" إًنْ تَسْتَغْفًرْ لَهُمْ سَبْعًينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفًرَ اللَّهُ لَهُمْ"[التوبة:80]، أي إن استغفرت دون السبعين فلن يغفر لَهم، وإن زدت في الاستغفار فوق السبعين فلن يغفر الله لَهم، ولذا لا يفهم من ذكر العدد في حديث الافتراق مزيد شري وانَحراف، فالشرور والانحرافات أعظم في أهل الكتاب وغيرهم من الديانات، والإسلام في هذا الباب أفضل حالا، لقوله تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرًجَتْ لًلنَّاسً".

قال الكاتب: ثالثاً: في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النَّبًي صلى الله عليه وسلم في قبة فقال: »....إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة«...إلى أن قال: وبذلك حكم النَّبًيُّ صلى الله عليه وسلم لَهذه الأمة أن نصف من يدخلون الجنة هم من أتباعه.اهـ

قلت: لا تعارض مع حديث الافتراق، فإن من الأمة من يدخل الجنة بلا عذاب في الآخرة، جزاء على أعماله، ومنهم من يدخلها بعفو من الله، ومنهم من يدخل النار ليأخذ جزاءه على ما اقترف من كبائر الذنوب ثم يُدخله الجنة، وفي النهاية مجموع الأمة في الجنة، منهم الذي عُذًّبَ في الآخرة، وكذلك الذي لَم يُعذب، كما ذكرناه فيما تقدم من حديث أبي ذر رضي الله عنه في رواية مسلم (190) في الصحيح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها«، فنصف أهل الجنة» فيهم من خرج من النار وأدخله الله الجنة.


رفع الخطأ والنسيان لا يعفي أهل الكبائر من النار


قال الكاتب: رابعاً: وقد عفا الله تبارك وتعالَى لًهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، كما في سورة البقرة:

"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخًذْنَا إًنْ نَسًينَا أَوْ أَخْطَأْنَا"[286]، وفي الحديث الصحيح: »إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه«، وهذا المعنى أيضاً مقطوع به متداول عند الفقهاء والأصوليين.اهـ

قلت: تحرير موضع النزاع الذي يناقشه الكاتب ويرده» هل يعذب أحد من أهل الإسلام في النار! وقوله الذي ذهب إليه ودافع عنه أنه لا يعذب مسلم بدخول النار، والذي عليه أئمة المسلمين أن تعذيب المسلم في النار قد يكون لبعضي من المسلمين وليس بالمنفي جملة، وهو الذي نعتقد ونقول به كما في قوله: »كلها في النار إلا واحدة«، أي كلها ستدخل النار، ثُم تُخْرَجُ إًلَى الجنة إلا واحدة» لا يدخلها اللهُ النارَ، ويلحق بًهم من شَمله العفو بتكفير سيئاته في الدنيا أو بالمشيئة، وأما من اقترف كبائر الذنوب بعمدي وقصدي من غير إكراه، فيعذب للأدلة ما لَم تشمله المشيئة، وأما الأدلة التي ذكرها الكاتب فليست محل اختلاف ونزاع، بل هي موضع اتفاق على أنهم لا يعذبون.


الأدلة والردود موضع اتفاق» ولا تنازع الحديث


والمراد من الأدلة: أن الإثْمَ في هذه الأحوال موضوع، فما تجاوز الله عنه فلا إًثْم فيه، فالناسي والمكره، والمخطئ ليس عليه جناح، والمراد هنا رفع المآثًم عن الأمة في حال الإكراه والخطأ والنسيان، ومن ذلك قوله تعالَى: "وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحي فًيمَا أَخْطَأْتُمْ بًهً وَلَكًنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ "[ الأحزاب: 5]، وفي الأدلة فائدة: أن الذي يقدم على كبيرة من غير إكراه، وبالعمد دون الخطأ، وبالقصد دون النسيان، فواقع في الإثْم» يعذب عليه في الآخرة، قال تعالى: "إًنْ تَجْتَنًبُوا كَبَائًرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفًّرْ عَنْكُمْ سَيًّئَاتًكُمْ وَنُدْخًلْكُمْ مُدْخَلًا كَرًيمًا"[النساء: 31].


أبعد النجعة في إيراده للأدلة


قال الكاتب: خامساً: وقد رفع الله سبحانه وتعالَى عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من كان قبلنا: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إًصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتًي كَانَتْ عَلَيْهًمْ"[الأعراف: 157].اهـ

قلت: هذا فضل من الله ورحمة لًهذه الأمة، حيث خفف عنها كثيرا من التكاليف الثقيلة التي كانت على الأمم السالفة، وجعل ذلك نعمة من نعمه، فقد عفا عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتجاوز عنها، وفي الآية: يُبين الله تعالى إنعامه علي الأمة بتخفيف ما جعله ثقيلاً على من قبلها من الأمم الأخرى. والعجب كيف يدفع الكاتب بآية هي دليل فضل وتخفيف عن هذه الأمة، وهي أيضاً دليل على التفاوت في التكاليف بين الأمم، وليست دليلا على التفاوت بين فرق الأمة الإسلامية. ولا أرى الكاتب إلا قد أبعد النجعة في إيراده لًهذه الأدلة.


هل الاعتقاد بوجود الفرقة الناجية قول بهلاك الناس؟!


قال الكاتب: الإشكال الحقيقي لدى من يجعل نفسه الفرقة الناجية، ثم يَصمُ الآخرين بالضلال ويتوعدهم بالنار. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: »إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم«. اهـ

قلت: رويدا رويدا أيها الكاتب !

ـ1 لا يوجد إشكال إلا عند من ترك مذاكرة العلم، وودع العلوم الشرعية، وذهب يجمع الناس على أصول عقلية.

ـ2 حذار أن تلغي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك فرقة ناجية، وفرق مخالفة، وما عليك إلا النظر إلى كتب السنة والعقائد فستجدها طافحة بذكر الفرقة الناجية، وذكر علامات فرق الضلال.

ـ3 يجب إدراك أن الذي قال: »كلها في النار إلا واحدة«، هو النبي صلى الله عليه وسلم، وليست من عندنا، فلا تطلق العبارات جزافاً بأن من يعتقد بوجود الفرقة الناجية فهو يقول بًهلاك الناس.


لا جديد في (أضواء على حديث افتراق الأمة)


الغريب أن الكاتب قد أشار في نًهاية ورقاته حيث قال: وقد وقفت على بحث قيم للأستاذ عبد الله بن يوسف الجديع، أنصح بقراءته. اهـ وقد ذكرت لكم أنني في اليوم الذي كنت اكتب هذا التعقب على كاتب ورقات (كيف نختلف؟)، طلبت البحث الذي ذكره من إحدى المكتبات، وفوجئت أَنّي لَم أقف على جديد فهو ناقل لبحثه، ومقلد لصاحب (أضواء على حديث افتراق الأمة)، فأصبح هذا الرد والتتبع على الكاتب ومن قلده، ولا غرابة من اجتماع الاثنين، والتقاء الفريقين» فحديث الافتراق لا يزال شوكة فًي طريق من يحاول خلط الحق بالباطل والحمد لله رب العالمين.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 16/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127