الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (2) الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (2)

كتب:الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

كم كدّر حديث الافتراق صفو عيش الفرق والطوائف المنحرفة


بعد محاولات التشكيك التي ذكرها كاتب ورقات »كيف نختلف؟«، ليحدث خللا واضطراباً في حديث افتراق الأمة أمام القارئ» حتى يصبح في حيرة من جهة صحته سنداً، وهذا أمري بعيد المنال عن قلم الكاتب ومن جاراه، فقد جزم أصحاب الشأن بصحته بلا تردد، وهذا قد بُيًّنَ فيما سبق، وكذلك بيناه في غير ما موضع مًمَّا كتبناه وذكرناه.

والآن عودة إلَى جولة جديدة من جولات الكاتب وصولاته على حديث الافتراق، هذا الحديث الذي مازال منذ خرج من مشكاة النبوة، شوكة قد غرست في طريق الانحراف، وهو محل قلق لكل مبتدع ومحدث في هذا الدين، وموضع أَلَم لكل من حاد عن الصراط المستقيم، فكم كدر حديث الافتراق صفو عيش الفرق والطوائف المنحرفة» فما برحوا نضالا ومحولاتي حتى يومنا هذا لإلغائه من التشريع، وما نراه من كفاح في ورقات الكاتب» إلا إحدى هذه التهورات البائسة لإيقاف طائفة الحق، وحجب أنصاره الظاهرين، ومن الواجب التنبيه على ما تجاهلوه وبيان أن كثيرا من أصول الشرع تؤيد هذا الحديث» مع النصح لَهم.

أصول الشرع تؤيد معنى حديث الافتراق

جاءت أحاديث عدة تؤيد معناه» فقول النبي صلى الله عليه وسلم: »وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة، ـ يعنًي الأَهْوَاءَ ـ كُلُّهَا فًي النار إلا واحدة، وَهًيَ الْجماعة«، وفي روايةً: (ما أنا عليه وأصحابًي)، كما رواه الترمذي في سننه (2641) وحسنه ـ وهو كما قال ـ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره، ومن تلك هذه الأحاديث:


اختلاف الأمة إلى فرق وطوائف


1ـ ما رواه البخاري (3641)، ومسلم (1037)، في صحيحيهما من حديث معاوية رضي الله عنه يقول: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).

2ـ وروى البخاري (3640)، ومسلم (1921) أيضاً فًي صحيحيهما من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يزال قوم من أُمَّتًي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون). وفي لفظي للبخاري: (لا يزال ناس من أمتي).

3ـ وروى أحمد في المسند (5/278)، وأبو داود في سننه (4252)، والترمذي (2229) في سننه بسند صحيح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إًنَّما أخاف على أُمَّتًي الأئًمة المضلين)، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله). قال أبو عيسى: وهذا (حديث حسن صحيح)، سَمعت مُحمد بن إًسْماعيل يقول: سَمعت علي بن الْمَدينًي يقول: وذكر هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)، فقال علي: هم أهل الحديث.


للطائفة المنصورة جزاء وللطوائف الأخرى جزاء


ويستفاد من الأحاديث وألفاظ الروايات: أن هناك فرقة وطائفة على الحق وغيرها من الأمة ليسوا على ذلك، ففي الروايات وجودي لًـ (طائفة من)، وفي روايةي: (قوم من)، وفي رواية: (ناس من) » أي معناه: فرقة من أمتي، و في قوله: (من أُمَّتًي)، من هنا للتبعيض» أَيْ: من بعض أمة النَّبًي صلى الله عليه وسلم» أَيْ: أَنَّ هناك فرقة من باقي عموم مجموع الأمة على الحق، والبقية بخلاف ذلك كما هو معنى الروايات، ولاشك أن الجنة هي الجزاء لأهل الحق، والبقية تحت المشيئة» من شاء عفا الله عنه، ومن شاء أدخله النار بقدر ما يستحق، ثُمَّ يدخل الجنة بعد ذلك. و بالسند الصحيح إلى علي بن المديني شيخ البخاري فقد رجح أن هذه الفرقة من بين فرق وطوائف الأمة» هم أهل الحديث.


السالكون لسبيل الحق في الجنة، والسالكون لسبل الضلال في النار


4ـ وروى أحمد في الْمسند (1/435) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خَطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطاً، ثُم قال: (هذا سبيل الله)، ثُم خَطَّ خُطُوطاً عن يَمينه وعن شًماله، ثُم قال: (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثُمَّ قرأَ: (وَأَنَّ هَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا فَاتَّبًعُوهُ وَلاَ تَتَّبًعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بًكُمْ عَنْ سَبًيلًهً)[الأنعام: 153]). قال أبو عبد الله الحاكم: صحيح الإسناد، و وافقه الذهبي وهو كما قالا. وفي قوله: (وَلا تَتَّبًعُوا السُّبُلَ) قال بعض المفسرين: الأهواء والبدع، وكذلك يُفْهَمُ المعنى نفسه من الحديث: (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، وهي سبل الباطل والضلال» سلكته ومالت معه الفرق والطوائف التي مالت عن الحق والصواب، ومن سلك سبل الضلال من أهل الإسلام كان له حظ من النار بقدر سيئاته ما لَم يشمله عفوي من الله.


لماذا الاستدلال بالأحاديث المشكلة


ذهب الكاتب لدفع معنى حديث الافتراق ومحاولة هدمه قائلا : (لكن يجب ألا ينظر إليه وكأنه لَم يرد فًي باب الاختلاف غيره ) (49) قلت: بدأ الكاتب يتأهب للانقضاض على متن الحديث لعله يصل إلَى تعطيل معناه» وهذا مذهب جعل أصحاب السنن على السواء مع أهل البدع، ومن ثَم فلا هجري للمبتدعة، ولا براءةي منهم في الدنيا، ولا ثواب لصاحب السنة، ولا عقاب لمحدث البدعة في الآخرة.

وقال الكاتب (49): أولا: علينا أن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: »أُمَّتًي هذه أمة مرحومةي ليس عليها عذابي فًي الآخرة، عذابُها فًي الدنيا» الفتن والزلازل والقتل«. وهذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والحاكم، عن أبي موسى وهو صحيح الإسناد» فهذا الحديث فيه إشارة إلَى رحمة هذه الأمة، وأنه ليس عليها فًي الآخرة عذاب، وإنَّما عذابها فًي الدنيا. اهـ


والرد عليه من وجوه:


أولا: هذا حديث ذكره أهل العلم من الأحاديث المشكلة، فكيف يخاطب به القراء بًهذه السهولة؟ أيحب أن يكذب الله ورسوله، وقد روى البخاري (127) في صحيحه في أواخر كتاب العلم من قول علي بن أبي طالب رضي الله: حدثوا الناس بًما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، وبوب له إمام الفقهاء والمحدثين: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. فهل يريد الكاتب ضرب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض؟ ليوحي بوجود إشكالات واضطرابات في متون الأحاديث.

ثانيا: وهل هذه الظلمات التي يوردها الكاتب على الأحاديث الثابتة يراها ضوءاً، وعد به القارئ وهو القائل في كتابه: أحببت أن ألقي الضوء على هذا الحديث.

ثالثا: قال: وهذا حديث صحيح، قلت: وأيضا وفي هذا الموضع خاصة ونظراً لكثرة الكلام على حديثه الذي ذكره، يتكرر تجاهله للامام ناصر الدين الألباني الذي تصدى لتصحيح الحديث، والدفاع عنه في السلسلة الصحيحة(959) في المجلد الثاني، والرد على شغب المخالفين من المعاصرين، ولذا أشك في جرأة الكاتب كما هو حال غيره، على الصدع بالصحة دون الاتكاء على جبل الْمُحدًّثين.


هل هذا إرجاء خفي جديد


رابعا: قوله: وانه ليس عليها عذاب في الآخرة، قلت: فتح الكاتب بابَ جُرأةي لوقوع الناس في البدع والمعاصي بلا خوف أو وجل، فهي لا تضر في الآخرة كما فهم، وهل هذا قولي بطريقةي، ودعوة جديدة لإرجاءً خفي بأسلوب غير مباشر، فإنه يرى أن العمل من الإيمان» ولكن يرى العذاب في الآخرة على الكفر والشرك، والأعمال ـ البدع والمعاصيـ بلا عقاب أخروي، فالكاتب يقول: [ليس عليها في الآخرة عذاب]، قلت: وكأنه يقول: المعاصي مهما بلغت لا تضر مع وجود الإيمان ولا تدخل فًي النار. فهو يذهب إلى إدخال الأعمال في مسمى الإيمان ومن ثم يسلبها التأثير في ثواب الله وعقابه في الآخرة. وهذا رأيُ لا يقول به أهل السنة، والكاتب هرب من الإرجاء فوقع بشبيه له.

خامساً: »أُمَّتًي هذه أمة مرحومةي ليس عليها عذابي فًي الآخرة، عذابُها فًي الدنيا» الفتن والزلازل والقتل«، أين سيذهب الكاتب من النصوص الكثيرة، والمتواترة في إثبات العذاب في النار لأهل البدع والمعاصي في الآخرة، ومنها حديث الشفاعة، فقد روى البخاري (6558)، ومسلم (191) في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يُخْرجُ قوماً من النار بالشفاعة؟» قال: نعم. وقال أبو بكر الإسْماعيلي في كتابه الموسوم: « اعتقاد أئمة الحديث »: ويقولون إن الله يخرج من النار قوما من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين، وأن الشفاعة حق، والحوض حق، والمعاد حق، والحساب حق.اهـ


آخر أهل النار خروجا منها من الأمة المرحومة


وكيف سيرد الكاتب ما رواه مسلم (190) في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها» رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب! قد عملت أشياء لا أراها ههنا »، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.




تاريخ النشر: الاثنين 2/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127