الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (1) الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (1)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:

اطلعت على كتاب لأحد المثقفين كتب على غلافه الخارجي عنواناً »كيف نختلف؟« وهو من إصدارات مركز الوسطية، وبعد تصفحي لًمادته» وجدت أَشياء تَحتاج إًلَى وقفات» منها، تعليقه على حديث افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والكاتب يسعى لاتساع دائرة المتفق عليه كما يقول، والتساهل في المسائل الخلافية، وتجاوز الأصول وتَهوين أمرها، لإذابة الخلاف العقدي، انتهاءً بالوصول إلى دمج أهل السنة والجماعة بالفرق والطوائف، ولذلك بذل في كتابه »كيف نختلف؟« مُحاولاتي لإلغاء حديث الافتراق مَبْنَى وَمَعْنَى، تَمهيداً لتجاوز الخلافات العقدية، وجمع المختلفين، تحت لواء الوحدة المزعوم، وحدة على حساب الدين والتضحية برسالة سيد المرسلين.


»ما أنا عليه وأصحابي«


والحديث ثابت النسبة إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيُعَدُّ من الأحاديث المسندة الصحيحة، ذُكًرَ فًي كُتُبً السنةً المعروفةً عَن جَمْعي مًنَ الصَّحابَةً، ومنها ما صح من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقد رواه أحمد فًي المسند (4/102) عن أَبًي عَامًر عبد الله بن لُحَيّ قال: حَجَجْنَا مع معاوًية بنً أَبًي سفيان فلمَّا قدمنا مكة» قام حين صلَّى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إًن أَهل الكتابين افترقوا فًي دًينًهًم على ثًنْتَيْنً وسبعين مًلَّةً، وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة، ـ يعنًي الأَهْوَاءَ ـ كُلُّهَا فًي النار إلا واحدة، وَهًيَ الْجماعة، وَإًنَّه سيخرُجُ فًي أُمَّتًي أَقْوَام تَجَارَى بًهم تلك الأَهْوَاءُ، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل» إلا دخله، والله يا معشر العرب! لئًن لَم تقوموا بًما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لَغَيْركم من الناس أَحْرَى أَن لا يقوم به). وَالْحَدًيثُ صَحيحُ» كما هو معلوم عند الجماهير من العلماء وطلبة العلم على مر العصور.

قال: »لَم يخرجه صاحبا الصحيح«، غمزاً في صحة الحديث

أولا: قال الكاتب (48): ولذلك أحببت أن ألقي الضوء على هذا الحديث: هذا الحديث لَم يُخرجه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم» وهذا بطبيعة الحال لا يعني عدم صحته، لكنَّ عدم تخريجهم له ـ والله أعلم ـ رُبَّما لأنَّه يتقاصر عن شرطهم، فيما يخرجونه من الأحاديث.اهـ

قلت: الرد عليه من وجوه:

1ـ قال الكاتب: »لَم يُخرجه صاحبا الصحيح«، قلت: وهذا غمزي فًي صحة حديث الافتراق، فإذا كان الحديث صحيحا لديه، فلم الإعلان أنه غير مخرج في الصحيحين؟! وهل هذا إعلال منه للحديث، أو صيغة تمريض، وهل هذا هو الضوء الذي أشار إليه وأحبه؟!

2ـ ثم أبدى الكاتب تراجعا فقال: »وهذا بطبيعة الحال لا يعنًي عدم صحته«، وأقول له: فإًذاً ماذا يكون؟ وماذا تريد أن تُفْهًمَ القراء؟! وأنت تغمز في صحة الحديث تارة» قائلا: »لَم يُخرجه صاحبا الصحيح«، وتتردد وتتراجع تارة بقولك: »وهذا بطبيعة الحال لا يعنًي عدم صحته«، وهل تعتقد أن أسلوبك هذا يضع لنفسك مجالا للرجوع والانسحاب مخافة منازعتك من قبل أهل الصنعة وأصحاب الشأن، وكشف عوار ما تقول؟!.

إذا صح الحديث» أفاد العلم والعمل

3ـ الحديث إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أفاد العلم، لا الظن، ووجب العمل به سواء كان من رواية الصحيحين أو غيرهما وهذا الذي ندين الله به.

4ـ ماذا سيكون موقف الكاتب إذا أوردنا عليه الأحاديث التي أخرجها أصحاب الصحيح وقد أعلها الأئمة، وهي أحاديث يسيرة، وماذا سيفعل بًمفهوم قوله: »لَم يُخرجه صاحبا الصحيح«، وأشهد القارئ على هيبة الصحيحين، ولكن أسلوب الكاتب ومنهجه حفظه الله وهداه» دفعتني للجوء للدقائق العلمية التي تخفى على كثير من الناس، لأثبت أن العبرة في العلم والعمل، هو فيما صح من الحديث، فقد يخرجه أصحاب الصحيح وَيُضَعَّفُ» وقد يخرجه غيرهما ويصحح، قال ابن الصلاح »في علوم الحديث« (1/101): سوى أحرف يسيرة تكلَّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كـ ( الدارقطني ) وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.اهـ

قال مسلم: ولَم أقل: ما لَم أخرجه ضعيف

5ـ لقد وقع الكاتب في غمز كتب السنة المشهورة، كـ (مسند أحمد، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك )، وغيرها من المصنفات المسندة إًلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلل من شأن أحاديثها المتداولة، التي لَم يخرجها أصحاب الصحيح، وكأن لسان حاله ينادي بطرحها، فهي تتقاصر عن شرط أصحاب الصحيح كما هو زعم الكاتب.

6ـ لًماذا يقطع الكاتب ويُحَمًّل الإمامين البخاري ومسلم ما لَم يقولا به ويذهبا إليه، ومن قال ان كل حديث لَم يُخرجاه فهو ليس على شرطهما؟! فهذا محمد بن إًسْماعيل البخاري يسمي كتابه »الجامع المسند الصحيح المختصر«، فالكتاب مختصر للأحاديث الصحيحة» غير جامع ولا شامل لَها، ولَم يكن من شرطه حصر الصحيح في كتابه، فقد روى الخطيب البغدادي في »تاريخ بغداد« (2/8) من طريق إبراهيم بن معقل يقول: سَمعت محمد بن إًسْماعيل البخاري يقول: ما َأدخلت في كتابي »الجامع« إلا ما صح، وتركت من الصحاح لًحال الطوال. اهـ وكذلك مسلم بن الحجاج النيسابوري، لَم يكن من شرطه حصر الصحيح في كتابه فقد ذكر الذهبي في »السير« (12/571): عن مسلم بن الحجاج قال: »إًنَّما قلت: صًحاح ولَم أقل: ما لَم أخرجه ضعيف، وَإًنَّما أخرجت هذا من الصحيح...«. اهـ

7ـ أثبت الكاتب أنه قليل البضاعة في هذا الباب، وكان الواجب عليه وأمثاله عدم الخوض في هذا الحديث وغيره من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجوع إلى أهل الصنعة، والأخذ من أرباب هذا الميدان.

ثانياً: قال كاتب الورقات »كيف نختلف؟«: الحديث رواه أحمد وأهل السنن من طرق، ومن العلماء من صححه أو حسنه كالترمذي، والحاكم، والذهبي، وابن تيمية، والشاطبي، وابن حجر وغيرهم، ومنهم من ضعّفه كابن حزم وابن الوزير وغيرهما.

شتان بين المصححين والمضعفين

قلت: ويرد كلام الكاتب بالآتي:

1ـ قال الكاتب: ومن العلماء من صححه أو حسنه، قلت: ألا يعلم أن الحسن من أقسام الصحيح فالصحيح والحسن ثابت النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعلم والعمل لازم له، وليس هذا محل استخدام لًهذه العبارات» مُحاولة لإيهام القارئ بلفظ يوحي أن الحديث محل نظر.

2ـ وقلت: إن كان الحديث صحيحا لديه كما يدعي فلماذا لا يزال يرسل الموجة تلو الأخرى للتشكيك بالحديث بقوله: »ومن العلماء من صححه أو حسنه، ومنهم من ضعّفه«، فها هو قد رجح صحة الحديث فيما سبق، ثم يعود مرة أخرى مصراً على ذكر القول الذي لَم يرجحه في كتابه قائلاً: »ومنهم من ضعّفه«!

3ـ والمصححون الذين ذكرهم هم أئمة وأعلام لًهذا الفن، والمضعفون كابن حزم وابن الوزير لا يعدان من أهل الصنعة ولا يذكران مع أهل هذا الشأن.

لماذا الإعراض عن المعاصرين شاكر والألباني؟!

4ـ ملاحظة: مًما يلفت الانتباه تجاهل الكاتب لقول إمامين مجتهدين وهما خاتًمة نقاد الحديث وأئمة هذا الشأن، وقد أضر بنفسه وأتى عليهما بالجرح، فهما من أئمة أهل السنة معتقدا ومنهجا وطريقة، ولست أدري بعد هذا أين وضع الكاتب نفسه وأي طري سلك؟! نعم لقد تجاهل ذكر تصحيح أساطين هذا الفن في عصرنا، والذي أعني» محيي السنة وباعث علوم الحديث في القرن الرابع عشر الشيخ أحمد شاكر فقد صحح إسناده في مسند الإمام أحمد (16/169)، وكذلك أسد السنة الشيخ ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة (203، 204، 1492)، ولعل الأسباب: (1) أنهما ذهبا إلى الجزم بصحته وهما من هما في هذا الميدان؟!

(2)كان الشيخان على خلاف المنهج والطريق الذي سلكه الكاتب وبقية الوعاظ والمثقفين.

(3) مجانية أصحاب البدع وأهل الأهواء ورفض كل بدعة تميت سنة، ولو كان ظاهر الجمع الاتفاق قال تعالى: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى[الحشر :14]، يبطنون البغض ويظهرون الاتفاق.

(4) وزادهم الاشتغال بالسنة والحديث معرفةً بسبيل النبي صلى الله عليه وسلم، ونهجه، وفهم أصحابه، فازدادوا بُعدا عن سبل الغواية والضلال فلن يقبلا بدعوة الذوبان، وإماتة السنة والطريقة، فهما في زمرة المحافظين على نهج المتقدمين ويكملان المسيرة والحمد لله على نعمه.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 26/5/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127