الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

»وجهة نظري فاحترموها!... ولا» لإقصاءً رَأْيي.. الشيخ عبد العزيز بن ندَى

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                

»وجهة نظري فاحترموها!... ولا» لإقصاءً رَأْيي...«

المباحات لها أحكام المقاصد فإن أدت إلى شر مُنعت وإن أفضت إلى خير قُبلت

د. عبد العزيز بن ندَى


كلمة يرددها كثير من الناس فًي نقاشهم ومجالسهم ومنتدياتًهم، بل نجدها تُذْكرُ فًي كتبهم، وهذه الكلمةُ هي: »هَذًهً وُجْهَةُ نَظَرًكَ وَنَحْتَرًمْهَا«، أو »كُل يَحترم وُجْهة نَظَرً الآخر«، فأردت أَنْ أُمْعًنَ النظر فًي هذه الجملة ومن ثَمَّ تَحليلها، والنظر في جواز الإًطلاق، وصحةً هذا الاستعمال.

فأقول وبالله أستعين لكل إنسان أقوال وأفعال تُمثل الرأْيَ الذي ذهب إليه واعتقده، وقد يُعبَّرُ عنها وتُسمى: وجهة نظره ورأيه، وعند البحثً والنظر بًمعيارً الْحق هي قول لا بُدَّ له من أحد أحوال ثلاثة مداره بينها، فكل قولي وفعلي لا يتجاوز الأمور التالية:


(1) الصحة (2) والبطلان أو الفساد (3) الإباحة. قال الله تعالى: (وَهُدُوا إًلَى الطَّيًّبً مًنَ الْقَوْلً وَهُدُوا إًلَى صًرَاطً الْحَمًيدً) [الحج: 24]» فهناك: (1) قول طيب ورأي سديد، وهو الأحق بالقبول والاحترام. (2) وقول غير طيب مخالف للسداد بعيد عن الصواب» فلا يقبل ولا يُحترم، ويُعد وُجهةُ نَظَرً سَاقًطَة.


أولا: الصحة ومتى تُحترم وجهة نظرك؟


التسلم لوجهة نظر معينة، حتى يُسوغ القول: »نعم نحترم وجهة نظرك، تنقسم إًلَى قًسميْن:

1ـ الحق من المعتقدات الصحيحة، والعبادات السليمة، والمعاملات الحسنة، وكُلُّ شيء بعده ضلال وباطل، قال الله تعالَى: (فَمَاذَا بَعْدَ الحق إًلاَّ الضلال)» قال بعض المفسرين أي: لا واسطة بين الحق والضلال)، فمن تخطى الحق وقع في الضلال.اهـ .

فمن كان مع الحق أُخًذَ بًقَولًهً وعُمًلَ بًرَأْيه، وهذا : »حَظّ وُجْهَةً نَظَرًهً الاحترام«، وقال تعالَى: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطًلُ إًنَّ الْبَاطًلَ كَانَ زَهُوقًا[الإسراء: 81]، وقال تعالَى: بَلْ نَقْذًفُ بًالْحَقًّ عَلَى الْبَاطًلً فَيَدْمَغُهُ فَإًذَا هُوَ زَاهًق[الأنبياء: 18]، وأما من كان واقعا فًي الضلالً مُعْلناً لرأي أهله، فلا يجوز قبول قوله والسكوت عنه، فضلا عن العمل به، ولا حرمة لوجهة نظره ولا كرامة، فالباطل لا حرمة له، ولا وجود له مع الحق ولا بقاء.

2ـ الخلاف في مسألة من المسائل، ويكون خلافاً نشأ بعد استفراغً الباحث جهدة فًي مسألة معينة، وقد سلك السبل الصحيحة في الحكم على المسألة محل الخلاف مًنْ طلب للدليل والبرهان من الكتاب والسنة، بلا تعصب لأحد من أئمة المذاهب وفقهاء الأمصار، عندما يكون الدليل على خلاف مذهب هذا الإمام أو ذاك الشيخ، لقول الله تعالَى: فَإًن تَنَازَعْتُمْ فًي شَيْءي فَرُدُّوهُ إًلَى اللَّهً وَالرَّسُولً إًن كُنتُمْ تُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً[النساء: 59]، وقال تعالَى: فَلاَ وَرَبًّكَ لاَ يُؤْمًنُونَ حَتَّى يُحَكًّمُوكَ فًيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجًدُوا فًي أَنْفُسًهًمْ حَرَجًا مًمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلًّمُوا تَسْلًيمًا[النساء: 65]، وقال تعالَى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فًيهً مًنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إًلَى اللَّهً[الشورى: 10].


ثانيا: البطلان ( لا نحترم ) وجهة نظرك


إن الباطل وكثيرا من الأقوال والأعمال التي لا تصح، وجهة نظر سقيمة، وأمور عقيمة، لا تستحق نظرا واحتراما، فكيف بًمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إًيْمان أن يَحترم الكفر والْمَعاصي والباطل من أقوال وأفعال وآراءي بشرية، وقد قال الله تعالى: قُلْ لاَ يَسْتَوًي الْخَبًيثُ وَالطَّيًّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبًيث[المائدة: 100]، فلا يستوي خبيث القول والرأيً» بطيب القول والرأي، ولو كثر أصحاب القول ودعاة الرأي الخبيث، فمن الْمُحالً أن تستوي وجهة نظر صحيحة بأخرى سقيمة.


(1) سب الله اصبح وجهة نظر، فهل نحترم القول والقائل به؟!

لقد ضل من كان رأيه واعتقاده ووجهة نظره، التي يدعو إلى اعتناقها، واحترامها، هي الإساءة إلى الله سبحانه وتعالَى، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، وإنه لمن الضلال وصف الله تعالَى بهذه الأوصاف ومنها بأن لله ولدا سبحانه، قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ[البقرة: 116].

1ـ وجهة نظر يهودية: زعم اليهود أن عزيراً ابن الله، قال تعالَى: وَقَالَتً الْيَهُودُ عُزَيْر ابْنُ اللَّه[التوبة: 30]. وجهة نظر أخرى، قال تعالى: وَقَالَتً الْيَهُودُ يَدُ اللَّهً مَغْلُولَة غُلَّتْ أَيْدًيهًمْ وَلُعًنُوا بًمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانً[المائدة:64].

2ـ وجهة نظر نصرانية: من النصارى من قال إن المسيح ابن الله، قال تعالى: وَقَالَتً النَّصَارَى الْمَسًيحُ ابْنُ اللَّهً ذَلًكَ [التوبة: 30].

3ـ وجهة نظر في أن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذًينَ قَالُوا إًنَّ اللَّهَ ثَالًثُ ثَلاَثَة وَمَا مًنْ إًلَه إًلا إًلَه وَاحًد[المائدة: 73]،

4ـ وجهة نظر بعض المشركين من العرب في الملائكة: إًنَّها بنات الله، تَعَالَى اللهُ عمَّا يقولون علوا كبيراً، قال تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ بَنًينَ وَبَنَاتي بًغَيْرً عًلْمي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصًفُونَ [الأنعام: 100].

5ـ وجهة نظر في أن الله فقير، قال تعالى: لَقَدْ سَمًعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذًينَ قَالُوا إًنَّ اللَّهَ فَقًير وَنَحْنُ أَغْنًيَاءُ[آل عمران: 181].


(2) السب والاستهزاء بالرسول وجهة نظر... فهل نحترمها؟!

قال الله تعالَى: وَإًذْ يَمْكُرُ بًكَ الَّذًينَ كَفَرُوا لًيُثْبًتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرًجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكًرًينَ[الأنفال: 30]، سَبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح وجهة نظر، والمكر به وجهة نظر، وإيذائه بالأقوال والأفعال لا يتجاوز أن تكون وجهة نظر تُمثل أصحابها ـ كما يقولون ـ، وعلى المخالف أن يحترم رأي الآخرين فقد استهزئ بالرسول صلى الله عليه وسلم فذكره الله سبحانه تسلية وعزاءً بمعاناة الرسل والأنبياء من قبله، قال تعالى: وَلَقَدً اسْتُهْزًئَ بًرُسُل مًنْ قَبْلًكَ[الأنعام: 10]، وقال تعالى: وَاصْبًرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ[المزمل: 10].


(3) سب أصحاب الأنبياء وجهة نظر...وهل نؤمن بالرأي الآخر؟!

روى مسلم (50) في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نَبًي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثُم إًنَّها تَخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).


تسليم العقل نَهضة وحضارة، أم خيبة وخسارة؟!

وسب الصحابة وشتمهم ليلا ونَهاراً سراً وجهاراً، هل نحترمه؟ ونؤمن بأنه وجهة نظر له حظ في الاعتبار والوجود، حتى نفوز برضا فًي أوساط المجتمعات، وألا نوصف بممارسة دور إقصاء الرأي الآخر، هل التسليم والسكوت عن الاعتداء على المعتقدات يُعَدُّ نهضة وحضارة، أم خيبة وخسارة؟!


سيد قطب يسب سادات وأقطاباً من الصحابة

أَبَى الأستاذ سيد قطب إلا أن يقول وجهة نظره في الصحابة فخرج عن جادة أهل السنة، وخالف جماعة العلماء ووافق أهل الأهواء، فنثر أحكامه على الصحابة، فَسَب وشتم من شاء، ورضي عمن شاء، حتى آذى نفسه،[قال: "وحين يركن معاوية وزميله (عمرو بن العاص) إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم« (كتب وشخصياتـ الطبعة الثالثة/1403ـ 1983م] وَنُذَكًّرُ بأقوال العلماء العاملين وحفظة الدين من العابثين، قال إمام عصره أبو زرعة الرازي، إمام الجرح والتعديل، و الشيخ الأجل لًمسلم بن الحجاج صاحب الصحيح: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق ).


عقيدة السلف في الصحابة وما حدث بينهم

بعض الناس اعتدى على الصحابة بالسب والشتم، والنيل من أعراضهم وذكر ما حدث بينهم، مًما يدعو إلى التعصب، ونشوء الحقد وَإًيغار الصدور علي الصحابة، والمقرر من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبًهم لأصحاب رسول الله، وتوليهم ومحبتهم، وذكر محاسنهم والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم كما وصفهم الله، قال تعالى: وَالَّذًينَ جَاءُوا مًنْ بَعْدًهًمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفًرْ لَنَا وَلإًخْوَانًنَا الَّذًينَ سَبَقُونَا بًالإًيمَانً وَلاَ تَجْعَلْ فًي قُلُوبًنَا غًلا لًلَّذًينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إًنَّكَ رَءُوف رَحًيم[الحشر: 10]، وقال تعالى: لَقَدْ رَضًيَ اللَّهُ عَنً الْمُؤْمًنًينَ إًذْ يُبَايًعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةً[الفتح:18]، وروى البخاري (3673)، ومسلم (2450) في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النَّبًيُّ صلى الله عليه وسلم: »لا تسبوا أصحابًي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه«.


(4) إقصاء الرأي الآخر

ذهب جمهور من الناس، خاصة من تأثر بموجات التغريب، فحياة الغرب أفرزت ثقافة معينة، تحت تأثير حياة مادية، مليئة بالضياع والتعذيب، ذاقوا فيها الأمرين بعيدا عن الله سبحانه وتعالى، فأصبحوا يروجون لكل شيء بلا ضابط شرعي، ولا رابط عرفي، فحياة أولئك القوم مادية إباحية، فلا تَمييز بين الحق والباطل، ولا يُعرف النور من الظلمات، فالغريب من عرف المعروف وأنكر المنكر من الأفعال والأقوال، قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدًيثً) [الزمر: 23]، وقال تعالَى: وَمًنَ النَّاسً مَنْ يَشْتَرًي لَهْوَ الْحَدًيثً لًيُضًلَّ عَنْ سَبًيلً اللَّهً بًغَيْرً عًلْم[لقمان: 6]، فأصبح الحديثُ على نوعين نوع حسن، ونوع سيئ، فلا يعتد بالسيئ من القول والرأي والحديث ولا يعتبر، ونرفضه دينا ونرى إقصاءه حقا، بًخلاف القول والرأي والحديث الحسن، فهو الذي يُمثل وجهة نظر الْمُحقين، وهو الْهدى لأهله والنور الْمُبين.

(5) المصاب بعمى الألوان يقول: أنت قادم من عصور الظلام

الذي لا يحترم الباطل ولا يقر الضلال وما عليه بعض الناس والجماعات، يُعَدُّ في نظرهم من المخالفين، وينظر له بعين الرجعية والتخلف، وأنه قادم من عصور الظلام، فهو لا يُمارس احترام وجهات النظر الْمُتباينة، ولا يؤمن بالرأي (الباطل)، والرأي الآخر (الضلال)، وهؤلاء الْمُلَبًّسون الْمُفْلًسون صنفوه» ووضعوه تحت شعار صنعوه ( جماعة إقصاء الرأي الآخر )، وأعني إقصاء الباطل ورفضه، زاعمين أنه يصادر المبادئ، ويحجب حريات الآخرين.


ثالثا: وجهة نظر يتوقف فيها

المباحات لَها أحكام المقاصد، فإن أدت إلى شر مُنعت، وإن أفضت إلى خيري قُبلت، فما تعلق ببعض العادات والأعراف التي تتغير بتغير الزمان والمكان وتتبدل من فرد إلى فرد وهو ما عرفناه بالْمباح من العادات والأمور التي لا تقبل خلافا، ولا تدخل تحت باب العقائد والعبادات والمعاملات، روى مسلم (2363) في صحيحه عائشة أنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »قال أنتم أعلم بأمر دنياكم«. فمثلا هناك من يرى أن اللون الأصفر هو الأفضل وآخر يفضل الأزرق، وهكذا في المباحات بأنواعها بما يعود بالنفع على الأمة كتخطيط المدن وغيره، ينبغي عدم الاختلاف بسببها فكل له ذوق خاص ونظر خاص في أمر احتمالُ وقوعً الاحترامً وارد فيه وإقراره على وجهة نظره بلا نزاع، بحيث كل طرف يحترم ما يراه الآخر، فلا يوجد ما يوجب خلافاً. وإليكم ما قررته من وجهة نظر، فما وافق الشرع نقول به ونحترمه، وما خالف الشرع نقول لصاحبه خالفت الحق وجانبت الصواب، لا كما يجرى على ألسنة بعض المناقشين والمناظرين والكتاب من القول: »احترم وجهة نظرك ولكن اختلف معك«، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه«.


تاريخ النشر: الاثنين 12/5/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127