الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (3) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (3)

أصبح توحيد الحاكمية نافذة لبعض الأفكار المنحرفة خاصة قضايا تكفير الحكام والشرط والعساكر

د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين» أما بعد:

الاتجاه لنقد الحكم والحاكم مراحل ونشأة

ذكرنا في المقال السابق تاريخ الاعتراض على الحكام والولاة، ومراحل نشأة الثورة في وجه الحاكم وأن رائد هذا الاتجاه هو ذو الخويصرة التميمي الذي يُعد أول من مارس هذا الدور وبئس الممارس, فقد وقف أمام سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين وطعن في عدله وسياسته لأصحابه، فبئس الممارسة، وتطور هذا الاعتراض حتى أصبح عقيدة ومنهجا لفرقة الخوارج ولابد أن يعلم كل مباشر لعمل من جنس أعمال الخوارج أنه قد جنى على نفسه ومال عن الصراط المستقيم ببعض الأوصاف التي كانت تلحق بهذه الفرقة.


3ـ ثاني ظهور للحاكمية كان مع الخوارج الْمُحَكًّمَة

في زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ظهر أناس نابذوا أمير المؤمنين عليا، وأظهروا التحكيم، يقولون: »لا حُكْمَ إلا لله«، اعتراضا على قبول علي بن أبًي طالب للحكمين أَبًي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وأنه لا حكَمَ إلا الله، وأبطل هذه الشبهة ابن عباس رضي الله عنهما بقول الله تعالى:

فَابْعَثُوا حَكَمًا مًنْ أَهْلًهً وَحَكَمًا مًنْ أَهْلًهَا إًنْ يُرًيدَا إًصْلاَحًا يُوَفًّقً اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: 35]، عند مناظرته لأولئك الخوارج، وقد اجتمعوا فًي أول أمرهم في حروراء، فنسبوا لَها، فالحروري هو الخارجي نسبة إلى حروراء، وسُموا بالمحكمة، والحرورية، والخوارج.


4ـ الخوارج المُحكًّمة وداء التعالُم، وهل الخوارج أعلم من الخليفة الراشد؟

المُحكًّمة: أظهروا التحكيم وقالوا: »لا حُكْمَ إلا لله، ولا حَكَمَ إلا الله«، كلمة حق يراد بًها باطل وهم أول فرق الخوارج، وكانوا أصحاب عبادة ولكن أصيبوا بًمرض التعالُم، ولًهذا كان اعتقادهم أَنَّهم أعلم من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل كانوا يرون عليا من أئمة الضلال، وكان أول كلمة خرجوا بًها قولَهم: »لا حكم إلا الله«، وانتزعوها من القرآن وحَملوها على غير مَحملًها، قال الله تعالَى: إًنً الْحُكْمُ إًلا لًلَّهً أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إًلا إًيَّاهُ ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ وَلَكًنَّ أَكْثَرَ النَّاسً لاَ يَعْلَمُونَ[يوسف: 40]، ومعنى الآية التي كانت أول زلل وقعت فيه فرق الخوارج» قال البغوي في التفسير: إًنً الْحُكْمُ ـ ما القضاء والأمر والنهي، وقال غيره: ـإًنً الحكم ـ» أي: ما الحكم في شأنً وأمرً العبادة والدين، ـإلاَ لًلَّهً ـ إلا لله عز وجل فله الخلق والأمر، والحُكْمُ: هو فصل الأمر بًما تدعو إليه الحكمة، ثُم بَيَّنَ ما حكم به، فقال: (أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إًلاَّ إًيَّاهُ)أَمَرَ وَدَعَا فًي الكتاب أن التوحيد لله، (ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ) التوحيد هو الدين المستقيم، الثابت الذي دلت عليه البراهين، وهو دين الإسلام الذي لا عوج فيه. وروى مسلم (1066) في صحيحه من حديث عبيدالله بن أبي رافع مولَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَنَّ الحرورية لَمَّا خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قالوا: لا حُكْمَ إلا لله، قال علي: كلمة حق أريد بًها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إًنًّي لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم ـ وأشار إلى حلقه ـ من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طُبْيُ شاةي أو حلمة ثدي فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا، ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال: عبيدالله وأنا حاضر ذلك من أمرهم. قلت: »طُبْيُ شاةي «، المراد ضرع شاة.


ظهور جديد للحاكمية في القرن الخامس


رُسًمت ملامح لاصطلاح الحاكمية في آخر القرن الربع وبداية القرن الخامس إبان عهد العبيديين فًي مصر، فظهرت فرقة الحاكمية، وكان لَهذه الدعوة دعاة وأتباع.

والحاكمية: نسبة إًلَى الحاكم بأمر الله، وسُميت دولته وعهده بالدولة الحاكمية، وهو أبو علي المنصور بن أَبًي الْمنصور صاحب مصر، ابن العزيز نزار بن الْمعز بالله العُبيدي، وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وأياما وانتهى عهد دولته سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وقال ابن كثير فًي البداية والنهاية فًي أحداث سنة ست وثمانين وثلاثمائة: وفيها ملك الحاكم العبيدي بلاد مصر بعد أبيه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر. اهـ

وتنسب إلَي الحاكم بأمر الله الفرقة الباطنية الضالة المضلة "الحاكمية" الذين قالوا برجعته، فذهبت إلى الاعتقاد بحياته وأنه قد غاب، ولا بد أنه سيظهر ويعود يَملك الأرض، وكان للدعوة الحاكمية رواج.

حاكمية المثقفين واختلاف الغايات ولَّد توحيداً جديداً

إن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى التوحيد ومجانبة الشرك، ولَم يكن إيجاد الدول وإنشائها غايةً يُبْعَثُ الأنبياءُ والرسل من أجلها، بل هي وسيلة كباقي الوسائل وجدت تبعا لوجود مجتمع من أهل التوحيد، ودورها قائم على حماية وحفظ مصالح الموحدين، قال تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَا مًنْ قَبْلًكَ مًنْ رَسُول إًلا نُوحًي إًلَيْهً أَنَّهُ لاَ إًلَهَ إًلا أَنَا فَاعْبُدُونً [ الأنبياء: 25]، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فًي كُلًّ أُمَّةي رَسُولًا أَنً اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنًبُوا الطَّاغُوتَ فَمًنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمًنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهً الضَّلاَلَةُ[النحل: 36]، قال إمام المفسرين الطبري في تفسيرها: ولقد بعثنا أيها الناس! في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولا» كما بعثنا فيكم، بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة (وَاجْتَنًبُوا الطَّاغُوتَ)يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم، ويصدكم عن سبيل الله، فتضلوا.اهـ


وضوح الغاية عند العلماء


لَم يذهب العلماء إلى إحداث ذلك الاسم الجديد (الحاكمية) وابتداع قسمة رباعية لأنواع التوحيد لوضوح الغاية والهدف من الوجود، فمن كانت غايته التوحيد، ذهب إلى إيجاد الموحدين على الأرض كما بينا عند قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً[الذاريات: 56]» أَيْ: ليوحدون، فدعا العلماء إًلَى التوحيد وَبينوه فًي أقسامي ثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الأسْماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وأما من اعتقد أن الغاية إًيجاد الحكومات والدول سعى إلى إحداث مسمى الحاكمية، وأصبح مفهوم التوحيد، ودعوة الأنبياء والرسل، تكاد تنحصر في قسم جديد سَمَّاه توحيد الحاكمية.


الحاكمية السياسية


وإطلاق الردة على الحكومات والمجتمعات

اطلاق الردة على الحكومات وجاهلية المجتمعات ووصفها بالمجتمعات الجاهلية، وما تبعه من الغلو السياسي والحقد على الحكام والولاة، وإن قصر النظر في الإصلاح على الحكم والسلطة، وقلة المبالاة بإصلاح العقائد، والنظر بعين الإهمال إلى التوحيد وباقي شرائع الإسلام، أوجد ثقافة تدور حول الحكم والسلطة والعمل على إثارة الناس للإطاحة بالحاكم والاستيلاء على السلطة، بأي قوة متاحة، والقدح فًيمن يتولَّى الحكم ويسوس البلاد ليلا ونَهارا وسرا وجهارا، فاجتالت ثقافة الحاكمية كثيراً من شباب ومثقفي الأمة، فآمنوا بًهذا الوليد القديم الجديد.


الحاكمية هي الوليد القديم الجديد


تستمد الحاكمية قًدَمَها من أول متعالًمي» وأعني به: ذي الْخويصرة التميمي رأس الخوارج الذي أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم، وقدح في حكمه آنذاك، ويستمد هذا الوليد قًدَمَهُ أيضاً من عهد الخوارج الْمُحَكًّمة الذين كانوا يرون أَنفسهم أعلم في أمور الحكم من علي بن أبي طالبي رضي الله عنه.


خطورة آفة التعالم


فكان ذلكم التعالم على النبي صلى الله عليه وسلم، والتعالم على الخليفة الراشد علي بن أبي طالبي رضي الله عنه، وإن التعالُمَ على العلماء في أي زمن وعصر هو طريق الهاوية والانحراف في النهج والعقيدة والشريعة. ولذلك استمدت الحاكمية جديدها من الذين تعالموا على العلماء الربانيين في هذا العصر فلم يرجعوا إليهم في مسائل الدين والاعتقاد، أمثال بعض المثقفين الذين ليس لَهم حظ من علوم الشريعة» خاصة علوم العقيدة والحديث والتفسير والفقه.


لكل ساقطة لاقطة


ولقد تأثر بًهذه الظاهرة من حيث لا يشعر بعض من نُحسن الظن بًهم» لكثرة تريد مفردة الحاكمية فيما يُقرأ من كتاب أو يُسمعُ من خطاب في هذه الأزمان، فاللغة الشرعية دخل عليها ألفاظ غريبة مًمَّا أوجب الاحتياط والحذر، ولكن قد قيل في الأمثال: إن لكل ساقطة لاقطة، فقد جاءوا بقسمة جديدة في التوحيد وجعلوه أربعة أقسام، بإضافة قسم رابع» توحيد الحاكمية، خلاف الأمر الذي استقر عليها علماء أهل السنة والجماعة. فأصبح توحيد الحاكمية نافذة لبعض الأفكار المنحرفة خاصة قضية تكفير الحكام والشرط والعساكر، إن لَم يكن بوابة واسعة تسمح بولوج بعض المفردات والعبارات التي تمثل عقائد وثقافة مذهب الخوارج.


الموقف من الحاكمية


هذا اللفظ وغيره من الألفاظ التي لا ضابط لَها، ولا رابط بينها، ولا تقوم على تأصيل شرعي، إذا ذكرت» فكل يفهمه بحسب إرثه الثقافي ويصرفه إلى المعنى الذي في ذهنه، ولفظ الحاكمية» بعض الناس يصرفه للدعوة الحاكمية والطائفة الحاكمية التي تنسب للدولة الحاكمية في عهد الدولة العبيدية، وقد يفسره بعضهم امتدادا لمفاهيم منهج الخوارج المحكمة، ويذهب بعض المثقفين إلَى التفسير العصري الذي خرج من عقول المفكرين والمثقفين عندما رفعوا راية جاهلية المجتمعات والردة الجماعية، وهناك غفلة من بعض الصالحين أوقعته في هذا الشراك وتأثر بهذه المفردة واعتقد أن في استخدامها نُهوضي بالدين ودفع للإصلاح.


الحاكمية من الألفاظ الموهمة ذات الاستعمالات المتضادة


ونقول هنا إن اللفظ إذا أوهم معاني مختلفة، ومنها معاني باطلة، فلابد من طرحها، وترك ترديدها والإعراض عنها، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا لَم يكن هناك مصلحة تستحق الذكر في لفظ الحاكمية؟! والدليل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعًنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا[البقرة: 104]، وقد نهى الله تعالى عن قولهم راعنا وأمر أن يقولوا مكانه انظرنا، لأن المسلمين يستخدمون كلمة ـرَاعًنَاـ لًمعنى صالح، واليهود يستخدمون ـرَاعًنَا ـ لًمعنى فاسد، فاقتضى الأمر استبداله بًما لا يحتمل معانيَ باطلة، وحجب استخدامه لًما فيه من ضرر على دين المسلمين.


المنع من استخدام الحاكمية أو أن يكون للحاكمية مدلول شرعي


1ـ فيمنع تناولُها واستخدامها تحت مدلول شرعي.

2ـ لا يوجد قسم رابع تحت مسمى توحيد الحاكمية.

3ـ الكف عنه حتى لا نردد مذهب الطائفة العبيدية التي تنسب للحاكم بأمر الله.

4ـ في منعها سد لذريعة التكفير وقفل لبوابة التعالم.

وأخيرا الحمد لله من قبل ومن بعد، والحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن.


تاريخ النشر: الاثنين 5/5/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127