الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (2) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (2)

د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد:

قد ذكرنا فيما تقدم الخطوط العريضة للتوحيد وأنواعه، مع بيان واضح لًمفهوم التوحيد عند أهل السنة، وما جرى عليه أكابر علماء الأمة من ذكري للربوبية، وأنه رب واحد لا يشاركه أحد في ربوبيته، فغلب اسم الرب وشَمل أفعاله المتفرد بًها التي لا يُشارَكُ فيها، ومن اسم الرب اطلق اصطلاح الربوبية، واصبح يُمثل توحيد الله وإفراده بأفعاله، وهو ما يعرف بتوحيد الربوبية.

وأما إفراد الله بأفعال العباد فلأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، ومن اسم الله، والإله كما في قول الله تعالى: (شَهًدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ وَالْمَلاَئًكَةُ وَأُولُو الْعًلْمً قَائًمًا بًالْقًسْطً لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ الْعَزًيزُ الْحَكًيمُ)[آل عمران: 18]، وقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إًلَهَ إًلا اللَّهُ)[محمد: 19 ]، ومن معنى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، عُرًفَتْ الإلَهية والألوهية، ومنذ القرن الثالث حتى يومنا هذا، وعلماء أهل السنة يَسًمونَ التوحيد بالربوبية والألوهية في الْمُصنفاتً والكتبً، والمجالس العلمية، وَلَم يعُرفَ عنهم ذكر للحاكمية في سياق المدح والثناء.

لا جديد في أقسام التوحيد وكل أفعال العباد خالصة لله إن ما تعرفون من توحيد الألوهية والعبادة، هو إفراد الله بأفعال العباد، فتُصرفُ كل العبادات لله عز وجل بلا استثناء، فالصلاة من أفعال العباد، والزكاة والصوم والحج والدعاء والخوف والخشية والرهبة، وغير ذلك من أقوال وأفعال القلوب والجوارح، والتحاكم إلى الكتاب والسنة من أفعال العباد، فهو الواجب فعله، ولا ينبغي أن يتحاكم إلى غيره، قال الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرًيعَة مًنَ الأَمْرً فَاتَّبًعْهَا وَلاَ تَتَّبًعْ أَهْوَاءَ الَّذًينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 18]، وقال تعالَى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فًيهً مًنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إًلَى اللَّهً) [الشورى:10]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا أَطًيعُوا اللَّهَ وَأَطًيعُوا الرَّسُولَ وَأُولًي الأَمْرً مًنْكُمْ فَإًنْ تَنَازَعْتُمْ فًي شَيْء فَرُدُّوهُ إًلَى اللَّهً وَالرَّسُولً إًنْ كُنْتُمْ تُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً ذَلًكَ خَيْر وَأَحْسَنُ تَأْوًيلا)[ النساء:59]، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إًلَى الَّذًينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بًمَا أُنْزًلَ إًلَيْكَ وَمَا أُنْزًلَ مًنْ قَبْلًكَ يُرًيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إًلَى الطَّاغُوتً وَقَدْ أُمًرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بًهً وَيُرًيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضًلَّهُمْ ضَلاَلا بَعًيدًا وَإًذَا قًيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إًلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإًلَى الرَّسُولً رَأَيْتَ الْمُنَافًقًينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)[النساء60-61]، وكل تحاكم إلى غير الكتاب والسنة هو تحاكم إلى الطاغوت، وحكم بغير التنزيل، فليس من العلم في شيء ابتداع قسم جديد وإحداث الحاكمية التي يروجون لَها، ولا معنى لهذه الْمُحاولات والسعي إلَى وضع توحيد الألوهية في الْهامش.


التحاكم إلى الكتاب والسنة

التحاكم إلى الكتب والسنة هو الدين، وكل من جحد شعيرة من شعائر الإسلام خرج من دائرة الإسلام ولمعرفة حكمها لا بد من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما، وهل نسلك سبيل العلماء أم سبيل الآخرين؟! فكلما بدا لنا تعظيم شيء من شعائر الدين - وكل شعبة من شعب الإيمان لها شأن وأهمية - صنعنا له توحيداً، فينتهي بنا الأمر أن لكل شعيرة من شعائر الإسلام توحيداً وحاكميةً.


أولا: توحيد الصلاة أو توحيد الحاكمية في الصلاة

هل نطلق اصطلاح توحيد الصلاة علي إفراد الله بأعمالنا وعبادتنا في الصلاة؟ فالصلاة عبادة» وللإتيان بًها على الوجه المشروع، لا بد من التحاكم إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى:(فَأَقًيمُوا الصَّلاَةَ إًنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمًنًينَ كًتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: 103]، وروى البخاري فًي صحيحه (631) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».


ثانيا: توحيد الصيام أو توحيد الحاكمية في الصيام

وهل نطلق اصطلاح توحيد الصيام على إفراد الله بأعمالنا وعبادتنا في الصيام؟ والصيام عبادة» وينبغي التحاكم إلى الكتاب والسنة، حتى تكون كما أراد الله، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذًي أُنْزًلَ فًيهً الْقُرْآَنُ هُدًى لًلنَّاسً وَبَيًّنَاتي مًنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانً فَمَنْ شَهًدَ مًنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185]، وروى مُسلمي فًي صحيحه (1080) مًنْ حديث عبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرَ رمضان فضربَ بيَدَيهً، فقال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا)، ثُم عقد إبْهامه فًي الثالثة، (فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أُغْمًيَ عليكم فاقدروا له ثلاثين). وفي رواية: (فَإًن غُمَّ عليكم).


ثالثا: توحيد الحج أو توحيد الحاكمية في الحج

وهل نطلق اصطلاح توحيد الحج علي إفراد الله بأعمالنا وعبادتنا في الحج؟ والحج عبادة وحَتّى نؤدي هذا النُّسكَ على الوجه المطلوب ينبغي التحاكم إلى الكتاب والسنة، قال تعالى:؟ وَلًلَّهً عَلَى النَّاسً حًجُّ الْبَيْتً مَنً اسْتَطَاعَ إًلَيْهً سَبًيلا؟[آل عمران: 97]، وروى مسلم (1297) في صحيحه من حديث جابري رضي الله عنهما يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا مناسككم فَإًنًي لا أدري لعلي لا أحج بعد حَجَّتًي هذه».


 (وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً)؟

عباد الله! إن القرآن نزل بوضوح تام وبلسان العرب، قال الله تعالى: (بًلًسَان عَرَبًيّ مُبًين) [الشعراء: 195]، فجمع المتفرق، وفصل المجمل، فكل العبادات لَها ركنان (1) الإخلاص لله. (2) المتابعة وإصابة السنة، وهل يسوغ لأحد في كل عبادة متضمنة في توحيد الألوهية؟ أن يقول توحيد الدعاء وتوحيد الزكاة، وتوحيد الصدقة، وتوحيد الخوف، وتوحيد الرهبة، وتوحيد الخشية، وتوحيد التحاكم، ونفرق ما جمعه الله في قول واحد:؟ وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً؟ [الذاريات:56]» أي: ليوحدون، ويصرف العباد كل أعمالهم له وحده، فقد روى مسلم (2985) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».


رابعا: توحيد الفعل أو توحيد الحاكمية في أفعال العباد

فعبادةُ الصلاة» لله، ولا نقول توحيد الصلاة، وعبادة الزكاة» لله، ولا نقول توحيد الزكاة، وعبادة الصوم» لله، ولا نقول توحيد الصيام، وعبادة الحج» لله، ولا نقول توحيد الحج، وعبادة الدعاء» لله، ولا نقول توحيد الدعاء، وعبادة الحكم» لله، ولا نقول توحيد الحكم، وتوحيد التحاكم، أو ما يسمونه: (توحيد الحاكمية) إلى آخر الأفعال التي تصدر من العبد» فهي خالصة لله، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.


تسمية التوحيد بين العلماء والمتعالمين

أ ـ تسمية أهل العلم للتوحيد: (1) توحيد الأسماء والصفات، (2) توحيد الربوبية، (3) توحيد الألوهية.

ب ـ تسمية المتعالمين من المثقفين المعاصرين: التوحيد العصري» وهو تغليب اسم جديد على مسمى التوحيد، توحيد الحاكمية، فتكون مذهباً لبعض المثقفين، لا توحيد إلا توحيد الحاكمية، فالذهن دوما متعلق بالحكم والسلطة.

ج ـ تسمية المتعالمين من أهل الأهواء (الْمُحَكًّمَة): (1) لا حُكْمَ إلا لله، (2) ولا حَكَمَ إلا الله.


[مراحل الاتجاه لنقد الحكم والحاكم]


1ـ أول ظهور للحاكمية ومطالبة الحاكم بالعدل

كان أول ظهور واتًّهام للحاكم، وإنكار الانحراف ـ بزعمهم ـ في مؤسسة الحكم، والبحث عن العدالة في زمن النَّبًي صلى الله عليه وسلم، فقام ذو الخويصرة التميمي معترضا على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانظر لًهذا المنحرف كيف يَجرُؤ- ويطالب سيد الخلق بالعدالة وعدم الظلم، والسبب ما يحمل من رؤية ضالة، وأنه الأعلم في مسألة الحكم وأعدل، يريد عدالة وحكما توافق هواه، فسلك طريق الْهوى وهو السبيل المذموم، لأهل الأهواء المنحرفين عن الحق، قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبًعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مًمَّنً اتَّبَعَ هَوَاهُ بًغَيْرً هُدًى مًنَ اللَّهً إًنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًينَ) [القصص:50].

2ـ ذو الخويصرة التميمي يرى أنه الأعلم في مسائل الحكم والعدل

وقد روى ذلك البخاري (3610)، ومسلم (1064) في صحيحيهما من حديث أبًي سعيد الْخُدْرًي رضي الله عنه قال: بينما نَحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسًمُ قَسْماً أتاه ذو الْخُوَيصًرَةً ـ وهو رجل من بنًي تَمًيمي ـ فقال: يا رسول الله! اعدًلْ، فقال: (ويلكَ ومَن يَعْدًلُ إذا لَم أعدًلْ، قد خبتَ وخسرتَ إن لَم أَكُنْ أعدًلُ)، فقال عمر: يا رسول الله! ائْذَنْ لًي فيهً فَأَضْرًبَ عُنُقَهُ، فقال: (دَعْهُ، فإن له أصحاباً يَحْقًرُ أحدُكُم صلاته مع صلاتًهًم، وصيامه مع صًيَامًهًم، يقرءون القرآنَ لاَ يُجَاوًزُ تَرَاقًيَهُم، يَمرُقُونَ منَ الدًّينً كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مًنَ الرَّمًيَّةً).

وفًي رواية في الصحيحين«: فقال: يا رسول الله! اتَّقً الله، قال: (ويلك أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهلً الأَرض أن يَتَّقًيَ الله). وفًي رواية فًي «الصحيح»: فقال رَجُل: مَا عَدَلْتَ. وللحديث بقية فالحمد لله من قبل ومن بعد.


تاريخ النشر: الاثنين 28/4/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127