الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ماذا تعرف عن الحاكمية؟! الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                



ماذا تعرف عن الحاكمية؟!

د.عبدالعزيز بن ندى العتيبي


صيانة للألفاظ الشرعية، وحفاظا على معتقدات الأمة الإسلامية وجدت أن الواجب القيام بالتنبيه على ما درج على ألسنة بعض الناس من ترديد لمفردة الحاكمية وذلك فًي النصف الثاني من القرن الرابع عشر، حتى يومنا هذا» زمن هذه الكتابة، وعند طرق هذا الباب، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، وَأَكْثَرَ مًنْ ترويج الحاكمية وجعله ثقافة بين أتباعه وأوساط مناصريه، تلك الكتابات لبعض أساتذة الاتجاهات المعاصرة، التي برزت بعد سقوط الدولة العثمانية، وربُّما أطلقوا عليه توحيد الحاكمية، ولَم يكن لًهذا اللفظ ذكري وشأن في القرون السابقة، إلا ما سنذكره ونكشف أمره عن أولً ظهور للحاكمية في القرن الخامس! وما تعنيه ؟ ومن دعا إليها ؟ ومن تُمثل ؟ ومن سأل النبي صلى الله عليه وسلم بأن يَحكم بالعدل؟! ومن دعا إلى التحاكم إلى الله في عهد الخلفاء الراشدين ؟


أقسام التوحيد


وهنا قبل البحث في أمر هذه الثقافة الجديدة وسبب نشأتها، لا بد أن أبين للقارئ ما جرى عليه علماء الأمة حيال التوحيد وأقسامه، وما ساروا عليه في حدودي نفعها يعم هذه الأمة بلا إفراط ولا تفريط، حرصا من حراس العقيدة على السير على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فليس من هدي أهل الاستقامة من علماء المسلمين الخروج أو الزيادة على كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم إلا بشرح مفردة أو تقريب بعيد وتجميع متفرق. وبالاستقراء والتتبع لكلام الله سبحانه وتعالى، وجد أنه كله دائر على معنى التوحيد، إما ببيان التوحيد أو بذكر حقوق التوحيد ومكملاته، وكيف يتحقق، وجزاء الموحدين في الدنيا والآخرة، وذكر جزاء المشركين كذلك، فالقرآن إًمَّا خَبَر أو إنشاء وطلب ولذلك ذهب أهل العلم إًلَى قسمة التوحيد إًلَى قسمين:

(1) توحيد خبري اعتقادي (2) وتوحيد طلبي إرادي.


أولا: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي


من نظر في كتاب الله وجد أن القرآن كله من أول سورة فيه فاتحة الكتاب إلى آخره سورة الناس، تقرير وبيان لًهذين التوحيدين، فكل سورة في القرآن إما خبر أو دعوة.

خبر عن الله عز وجل وأسْمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي وهو توحيد الأسماء والصفات الذي يدخل فيه توحيد الربوبية.


التوحيد الخبري: هو توحيدان متلازمان»

توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية

وفي التوحيد الخبري الاعتقادي أخبر عن نفسه أنه الرب العلي العظيم الخالق الرازق القادر العالم المدبر الحي القيوم الجبار المتكبر العزيز الحكيم الكريم الرحمن الرحيم، قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذًي لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ عَالًمُ الْغَيْبً وَالشَّهَادَةً هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحًيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذًي لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ الْمَلًكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمًنُ الْمُهَيْمًنُ الْعَزًيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبًّرُ سُبْحَانَ اللَّهً عَمَّا يُشْرًكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالًقُ الْبَارًئُ الْمُصَوًّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبًّحُ لَهُ مَا فًي السَّمَاوَاتً وَالأَرْضً وَهُوَ الْعَزًيزُ الْحَكًيمُ) [الحشر: 22-24]، فهو المستحق للربوبية، لإخباره عن نفسه بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فانقسم التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي إلى نوعين متلازمين: توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية.


ثانيا: التوحيد الإرادي الطلبي


تقدم أن كلام الله إما خبر أو إنشاء وطلب، والخبر ذكرنا أنه توحيد الأسماء والصفات المتضمن لتوحيد الربوبية، وإما طلب ودعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه، وأوامري بأنواع من العبادات ونَهيي عن الْمخالفات، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وهذا هو توحيد الألوهية والعبادة، وهو مستلزم للنوعين الأولين متضمن لَهما أيضاً.


التلازم بين أنواع التوحيد


أولا: [توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية والعبادة]:

فهو منه كالْمقدمة من النتيجة، ولًهذا كان في كلام الله ذكر الآيات الدالة على توحيد الربوبية أولا، ثم الدعوة إلى توحيد الألوهية، فتكون الربوبية دليلا وبرهانا على الألوهية، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذًي خَلَقَكُمْ وَالَّذًينَ مًنْ قَبْلًكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذًي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فًرَاشًا وَالسَّمَاءَ بًنَاءً وَأَنْزَلَ مًنَ السَّمَاءً مَاءً فَأَخْرَجَ بًهً مًنَ الثَّمَرَاتً رًزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لًلَّهً أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21-22]، وقال تعالى: (أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتً وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مًنَ السَّمَاءً مَاءً فَأَنْبَتْنَا بًهً حَدَائًقَ ذَاتَ بَهْجَةي مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبًتُوا شَجَرَهَا أَإًله مَعَ اللَّهً بَلْ هُمْ قَوْم يَعْدًلُونَ أَمْ مَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خًلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسًيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنً حَاجًزًا أَإًلهي مَعَ اللَّهً بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمْ مَنْ يُجًيبُ الْمُضْطَرَّ إًذَا دَعَاهُ وَيَكْشًفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضً أَإًلهي مَعَ اللَّهً قَلًيلا مَا تَذَكَّرُونَ أَمْ مَنْ يَهْدًيكُمْ فًي ظُلُمَاتً الْبَرًّ وَالْبَحْرً وَمَنْ يُرْسًلُ الرًّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتًهً أَإًلهي مَعَ اللَّهً تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرًكُونَ) [النمل:60- 63].


ثانيا: [توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية لا محالة]:

والربوبية محتواة في توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده لا شريك له، لا شك أنه قد اعتقد قبل ذلك أن الله ربه ولا رب له غيره، وأن مالكه ورازقه وخالقه هو الله، فلا مالك ولا رازق ولا خالق سواه، فهو يعبد الله معتقدا أن الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، والنفع والضر إليه.


ثالثا: [توحيد الأسماء الحسنى والصفات العُلى]:


شامل للنوعين المتقدمين فهو قائم على إفراد الله سبحانه بالكمال المطلق من جميع الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات العلى، وإثبات معناها بلا كيف، والإيمان بما يترتب عليها من آثار وأحكام، وإثبات ما يحب له من أسماء وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينزه عنه من النقائص، قال تعالى: (لَيْسَ كَمًثْلًهً شَيْء وَهُوَ السَّمًيعُ الْبَصًيرُ) [الشورى:11]، وقال تعالى: (فَلاَ تَجْعَلُوا لًلَّهً أَنْدَادًا) [البقرة:22]، وقال تعالى: (فَلاَ تَضْرًبُوا لًلَّهً الأَمْثَالَ) [النحل: 74]، وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمًيًّا )[مريم :65]، وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد)[الإخلاص:4]، ومن الآيات الواضحة الدلالة بين سبحانه أنه لا مثل له ولا نظير ولا ند ولا سَمي ولا كفو له، فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مُماثلا لشيء من صفات المخلوقات ولا أن يكون المخلوق مكافئا ولا نظيرا ولا مساميا له في شيء من صفاته.

وهذه الأسماء والصفات التي لا تنبغي لغيره» منها اسم الرب، فإنه ربي واحدي لا يشاركه أحد في ربوبيته، واسم الرب حق له ولا ينصرف إلا إليه عند إطلاقه، فله وحده الربوبية المطلقة على جميع خلقه، ومن أسمائه: الله، وهذا الاسم لا يطلق إلا عليه، وهو إله واحد، لا إله غيره، هو المستحق للعبادة وحدة، فلا إله ولا معبود حق غيره، فله الألوهية وحده.

وذهب العلماء إلى تقسيم التوحيد إلى قسمة الثنائية أو الثلاثية دون زيادة أو نقصان:

(1) التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي (توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية).

(2) والتوحيد الإرادي الطلبي (توحيد الألوهية) دعا إليه أمران:

الأول: ناحية تقريبية وتعليمية لإدراك مراد الله من عبادة وسلوك أقرب السبل لفهم الدين.

ثانيا: البيان الواضح لدعوة الأنبياء والرسل وأنهم جاؤوا لبيان توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وأن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يدخل أحدا في الإسلام فقد كان المشركون يقرون بتوحيد الربوبية، فيقولون بوحدانية الله وافراده بأفعاله، ولا يقرون بإفراد الله بأفعالًهم، فلا يشركون معه أحدا في أفعاله، ويشركون معه غيره في أفعالهم، وقد أعلن المشركون ذلك كما في قوله تعالى: (وَالَّذًينَ اتَّخَذُوا مًنْ دُونًهً أَوْلًيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إًلا لًيُقَرًّبُونَا إًلَى اللَّهً زُلْفَى) [الزمر: 3]» أي: وذلك أَنَّهم إذا قيل لَهم: من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فيُقال لَهم: فما معنى عبادتكم الأوثان والأصنام والقبور؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قُربَى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبًا، ويشفعوا لنا عند الله، وهذا إبليس ألا ترون كيف أقر بالربوبية والبعث؟! قال تعالى: (قَالَ رَبًّ فَأَنْظًرْنًي إًلَى يَوْمً يُبْعَثُونَ) [الحجر:36].


لا توحيد ألوهية بلا توحيد ربوبية

ولا توحيد ربوبية بلا توحيد أسماء وصفات


وكذلك من ألحد في أسماء الله وصفاته فقد أخل بتوحيد الأسماء والصفات، وأخذ يهدم في بناء توحيد الربوبية، وقد سبق البيان عند ذكر التلازم بين أقسام التوحيد، أن توحيد الربوبية قائم على الإقرار والاعتقاد السليم بتوحيد الأسماء والصفات، وحينئذ لن ينفعه الإقرار بالتوحيدين فلن ينفعه القولُ بتوحيد الربوبية ولا إقرار منه بتوحيد الألوهية، فلا توحيد ألوهية بلا توحيد ربوبية، ولا توحيد ربوبية بلا توحيد أسماء وصفات. وللحديث بقية


تاريخ النشر: الاثنين 21/4/2008




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127