الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

كيف تَحَقَّقَ الأمنُ فًي مجتمع الْمَدينةً؟! د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                

كيف تَحَقَّقَ الأمنُ فًي مجتمع الْمَدينةً؟!

على كل مواطن عدم انتهاك الحرمات

أيها الناس! من أراد أن يعيش آمنا فًي وطنه، وسعيدا بين أهله، يأتيه رزقه من كل مكان بإذن ربه» فليكن على ثغر من الثغور، مُجاهدا ومُدافعا عن بَلَدًه، ضد كل رأيي خارج عن الشرع القويْم، والعرف السليم، فكم من رأي منحرف أورث خلافا، وأثار فتنة، ولذا قال ابْنُ الأعْرابًيًّ عن الفتنةً: والفتنةُ: اخْتًلافُ النَّاسً فًي الآراءً، واعلموا أن الْخلافَ والفرقةَ بابُ شر إذا فُتًحَ صَعب إًغلاقًهً، حتى أن كثيرا من الأدلة الشرعية جاءت بيانا ودعوة إلَى الاجتماع، ومُجانبة كل خلاف وافتراق، قال الله تعالَى: ـوَاعْتَصًمُوا بًحَبْلً اللَّهً جَمًيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواـ (آل عمران: 103)، وقال تعالَى: ـ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رًيحُكُمْ وَاصْبًرُوا إًنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابًرًينَ ـ (الأنفال: 46)، وقال تعالَى: ـ وَلاَ تَكُونُوا مًنَ الْمُشْرًكًينَ مًنَ الَّذًينَ فَرَّقُوا دًينَهُمْ وَكَانُوا شًيَعًا كُلُّ حًزْب بًمَا لَدَيْهًمْ فَرًحُونَ ـ (الروم: 32ـ31)، وقال تعالَى: ـ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذًينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مًنْ بَعْدً مَا جَاءَهُمُ الْبَيًّنَاتُ ـ (آل عمران: 105).


علاج الفرقة والخلاف


والعلاج هو بالاعتصام بالكتاب والسنة، والرد عند التنازع إلَى الطريق الْمَعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالَى: ـوَلَوْ كَانَ مًنْ عًنْدً غَيْرً اللَّهً لَوَجَدُوا فًيهً اخْتًلاَفًا كَثًيرًاـ (النساء: 82)، وقال تعالَى: ـفَإًنْ تَنَازَعْتُمْ فًي شَيْء فَرُدُّوهُ إًلَى اللَّهً وَالرَّسُولً ـ (النساء: 59)، وقال تعالَى: ـ فَلاَ وَرَبًّكَ لاَ يُؤْمًنُونَ حَتَّى يُحَكًّمُوكَ فًيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجًدُوا فًي أَنْفُسًهًمْ حَرَجًا مًمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلًّمُوا تَسْلًيمًا ـ (النساء: 65)، وقال تعالَى: ـ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فًيهً مًنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إًلَى اللَّهً ـ (الشورى: 10).


حذر النَّبًي صَلى اللهً عليه وسلم من الفرقةً والْخلاف


ـ1 روى البخاري (6027)، ومسلم (2585) فًي صحيحيهما من حديث أبًي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »الْمُؤمنُ لًلمؤمنً كالبنيانً يشدُّ بعضه بعضا«. ثُمَّ شَبَّك بين أصابعه.

ـ2 روى مسلم في صحيحه (432) عن أَبًي مَسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمسح منا كبنا في الصلاة ويقول: »استووا ولا تَختلفوا» فتختلف قلوبكم«.

ـ3 وروى البخاري (722)، ومسلم (414) فًي صحيحيهما من حديث أَبًي هريرة رضي الله عَنً النَّبًي صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قال: »إًنَّما جُعًلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بًهً فلا تَختلفوا عليه«.

ـ4 وروى البخاري (3476) فًي صحيحة من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول:

سَمًعْتُ رجلا قَرأَ آيَةً، وَسَمًعتُ النَّبًي صلى الله عليه وسلم يقرأُ خلافها، فجئت بًهً النَّبًي صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرته، فعرفت فًي وجهًهً الكراهية، وقال: »كًلاكما مُحسن ولا تختلفوا» فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا«.

ـ5 وروى مسلم فًي صحيحه (2666) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: هَجَّرْتُ إًلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم» يُعرفُ فًي وجههً الغضبُ، فقال: »إًنَّما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب«. وَذُكَرَ الْهَلاكُ لًما يفضي إليه هذا الْخلاف من الكفر والابتداع فًي الدين.


الأحزابُ باب شَرّي وفتنة» فلا يفتحُ البابُ


وحذار من مناصرة الأحزاب، ودعوة تفكيك الأمة وتفريقها، فما الْحزبية إلا انْحراف عن السبيل، وشق للطاعةً، وخُروج على جَماعة الْمسلمًيْن، فلا تسعى إلَى تأسيس أحزاب نُموها قائم على شق عصا الْجماعة، وتفريق الْمسلمين، وتَمزيق الولاء، وإحياء للفتنة.

إلَى اللَّهً أشْكُو نًيَّةً شَقَّتً العَصَا... هًيَ اليَوْمَ شَتَّى، وهيَ أمْسً جَمًيعُ

فيا عبد الله! لا تكن وقودا للفتن، وعليك النجاة بدينك وصون عرضك» من الانْحراف والفساد» الذي عليه الأحزاب، وإياك! إياك! ونار الأحزاب» فًإنَّها إذا أوقدت، دخل لَهيبها كل بابً، وأحرقت الحجاب، ولا تنتهي إلا بأكل الأخضر و اليابس.


حماية الْمُجتمع من الغدر والخيانة ومفاجأة اللئام


الخيانة والغدر من الصفات الْمَذمومة، ولا قيام لأمة، ولن تقوم حضارة، أو يوجد أمن علَى أكتاف الخونة وأهل الغدر، ونَبَّه الْمُشَرًّع على خطرها، قال تعالَى: ـ إًنَّ اللَّهَ لاَ يُحًبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثًيمًاـ (النساء:107)، فالْخيانة وصف مُحرم قبيح فلا يوصف به مؤمن، قال تعالَى: ـيَ ا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتًكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ـ (الأنفال: 27)، وقال: ـوَأَوْفُوا بًالْعَهْدً إًنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا ـ (الإسراء: 34)، وروى البخاري (2651)، ومسلم (2535) فًي صحيحيهما من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »خيركم قرني، ثُم الذين يلونهم، ثُم الذين يلونهم«، قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: »إن بعدكم قوما يَخونون، ولا يؤتَمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن«.

وقيل فًي الخيانة:


أخلقْ بًمن رضي الخيانةَ شيمةً... أن لا يُرى إًلا صريعَ حوادثً


وقيل:

شرُ المصـائبً ماجنَتْهُ يـدي... لم يَثْنًهـا عن ظلمًهـا رحمُ

والعـارُ حيي لا يَموتُ إًذا... قـدُمَ الزمانُ وبادتً الأمم

إًن الخيانـةَ ليـس يغسًلُها... من خـاطئي دمعي ولا ندمُ


الغدر والخيانة كان فًي مجتمع المدينة


أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتن في هذه الأمة، وذكر آثارها، كما وجه إلَى الْحذر منها وكيف الوقاية منها» فروى البخاري (3597)، ومسلم (2885) في صحيحهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أشرف النَّبًي صلى الله عليه وسلم على أُطُمي من آطامً الْمدينة فقال: »هل ترون ما أرى«: قالوا: لا، قال: »فَإًنًي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر«. وفًي قوله: »تقع خلال بيوتكم كوقع القطر« قال الحافظ في الفتح: وحسن التشبيه بالْمطر لإرادة التعميم


العلاج بالحسم والْمُحافظةُ على الأمنً فًي الْمَدينة


أولا: الْموقف من غدر بَنًي النَّضًيرً: الإجلاء وفقدان الهوية

قام النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير فقد روى أبو داود في سننه (3004) وعبد الرزاق فًي الْمُصنف (358/5) بسند صحيح قال: أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضًيْرً بًالغَدْرً، فأرسلوا إًلَى النَّبًي صلى الله عليه وسلم» اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، فَقَصَّ خَبَرَهُم»أي: عَلًم بًما أضمروا من الغدر بهـ فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم، فقال لَهم: »إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه«، فأبوا أن يعطوه عهدا فقاتلهم يومهم ذلك، ثُم غدا الغد على بَنًي قريظة بالكتائب وترك بني النَّضًيْرً، ودعاهم إًلَى أَنْ يُعاهًدوه» فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا على بَنًي النَّضًيْرً بالكتائب فقاتلهم حَتّى نزلوا على الْجلاء» فجلت بَنُو النَّضًيْرً واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتًهم وخشبها.


ثانيا: الْموقف من غَدْرً بَنًي قُرَيظَةً:

ـ1 أثناء مواجهة العدو الخارجي فًي غزوة الأحزاب كان النبي صلى الله عليه وسلم يتابع أمن الْمدينة الداخلي، يرصد من يسعى لزعزعة الْمُجتمع، وكان يرسل أصحابه ويقول: »من يأتني بًخبَرً القوم؟«، وندب الزبير بن العوام لًمتابعة بَنًي قُريظة، فروى البخاري (4113)، ومسلم (2415) فًي صحيحهما من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: »من يأتينا بًخبر القوم؟«، فقال الزبير: أنا، ثَم قال: »من يأتينا بًخبر القوم؟«، فقال الزبير: أنا، ثُم قال: »من يأتينا بًخبر القوم؟«، فقال الزبير: أنا، ثُم قال: »إن لكل نبي حواريا وأنا حواري الزبير«. وفي رواية أحمد في المسند (3/314)، وابن حبان في صحيحه ( 15/443) بسند صحيح قال: اشتد الأمر يوم الخندق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ألا رجل يأتينا بًخبر بني قريظة؟«، فقال الزبير: أنا، فانطلق الزبير على فرسه فجاء بًخَبَرهم، ثُم اشتد الأمر فذكر ثلاث مرات، الحدبث...

ـ2 وبعد الانتهاء من الأحزاب انصرف النبي صلى الله علي وسلم لًمُحاسبة من سعى لضياع مصالح الأنام، وزعزعة أركان الدولة والنظام، روى البخاري(4117) فًي صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لَما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الْخندق» ووضع السلاح واغتسل» أتاه جبريل عليه السلام فقال: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه فاخرج إليهم، قال: »فَإًلَى أين؟«، قال: ها هنا» وأشار إًلَى بَنًي قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم.

ـ3 الحسم مع كل غادر بأن يأخذوا جزاء فعلتهم» فأحيلوا إلَى قضاء اختاروه وطلبوه، فطلب بنو قريظة النزول على حكم سيد من سادات المدينة، أقرب الناس لَهم، لعل الْمودة واتْحاد التبعية ورابط الْجنسية، والْمواطنة فًي الْمدينة تشفع لَهم عند سعد بن معاذ رضي الله عنه، روى البخاري (3043)، ومسلم (1768) في صحيحيهما من حديث أبًي سعيد الْخدري رضي الله عنه قال: لَما نزلت بنو قريظة على حكم سعد هو: ابن معاذ» بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قريبا منه فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »قوموا إلى سيدكم«، فجاء، فجلس إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: »إن هؤلاء نزلوا على حكمتك«، قال: فَإًنًي أحكم أن تقتل الْمُقاتلة وأن تُسبَى الذرية قال: »لقد حكمت فيهم بحكم الملك«.


حكم سعد بن معاذ رسالة إلَى ولاة الأمر


ـ1 إن حكم سعد بن معاذ كما بيناه فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية» هو رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَى ولاة الأمر فًي كل زمان ومكان، وهو الحكم العدل ويكفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لقد حكمت فيهم بحكم الملك«.

ـ2 لجوء اليهود إلَى أقرب الناس ومخاطبة الْمواطنة لَم تؤثر فًي ذلك الصحابًي الذي عرف الإيمان واعتقده، وخبر مقاصد التشريع، ومصالح الأمم لذلك لَم تَجد منه تعاطفاً فًي موقفي لا يَحتمل العواطف فلم يتردد فًي إصدار حكم يتماسك به الْمجتمع، وتكون مصلحة الأمة فوق كل مصلحة، وهيبة النظام فوق كل هيبة، ولا التفات إلَى مودة، أو مواطنة عندما تُصادًمُ مصالح البلاد والعباد، فالْمصلحة العامة مقدمة على العاطفة والمودة.

وانتهى الأمر بعد الغدر الْمُتكرر من بعض القبائل والْموطنين فًي مُجتمع المدينة إلَى:

(1) فقدان الأرض ورمز التبعية والمواطنة كـ (بَنًي النَّضًيْرً) بالإجلاء والنفي عن مجتمع المدينة وكلي يلحق بًكل شعار عادى من أجله وسعى لتهديد المصالح فًي سبيله.

(2) منهم من عاهدوا على العيش بأمان و»لَحقوا بًالنَّبًي صلى الله عليه وسلم، فآمنهم وأسلموا«. فكانوا مواطنين صالًحين غَيْر مُمَزقًي الولاء والانتماء.

(3) القصاص العادل كما كان لًبَنًي قُرَيْظَةَ. والدليل ما رواه البخاري (4028)، ومسلم (1766) فًي صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: حاربت النَّضًيْرُ وَقُرَيْظَةُ» فأجلى بَنًي النَّضًير، وأقرَّ قُرَيْظة ومن علهيم حتى حاربت قريظة فقتل رجالَهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالَهم بين المسلمين، إلا بعضهم لَحقوا بًالنَّبًي صلى الله عليه وسلم، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بَنًي قَيْنُقَاعَ وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود المدينة.


اتحاد التبعية ورابط الجنسية وادعاء الوطنية لا يعني انتهاك الحرمات


الْجنسية والوطنية والتبعية هًي رمز يراد به الْمحافظة علَى مصالح الأمة، وهيبة النظام، وبناء مجتمعات صالًحة، تَحفظ الْمصالًح بًجميع أنواعها مع عدم الانتماء إلَى أي جهة تُمثل خطرا علَى الْموطن والْمكان الذي أنت فيه، والْمجتمع الذي تعيش بين ظهرانيه، فالواجب على كلًّ مواطن عدم انتهاك الْحُرمات، والقيام بالواجبات، ودفع الأذى عن البلاد، ودرء الفساد صغيره وكبيره عن جيرانك وأهلك وإخوانك، ولا توقعهم فًي فتن فيُخْلَطُ النور بالظلام، اللهم! اعصمنا من الفتن ما طهر منها وما بطن.

لله دَرُّ النائباتً فَإًنَّها... صدأ اللئام وصيقلُ الأحرار


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 25/2/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127