الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ثَقَافَـةُ العـَواطًفً - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                

ثَقَافَـةُ العـَواطًفً

تعريف الثقافة: الثقافة مصدر ثقف: وثقف الشيء أقام اعوجاجه وسواه، وثقف الإنسان أدّبه وهذّبه وعلّمه، والثقافة: حسن التلقي، وإدراك الأشياء وفهمها، وتحصيل العلوم والمعارف، قال البغوي في تفسيره: الثقافة الحذق والبصر بالأمور.

وتعريف العواطًف: العواطف جمع عاطفة» أي: هي مجموعة مشاعر وأحاسيس ناتجة عن المحبة والمودة والصداقة والرحم والصحبة والأخوة، وَيُلحق بًها مشاعر الخوف والرهبة والغضب، والانفعالات الناتجة عن عوامل بيئية وتربوية، ومن معانيها الْمَيلُ النَّاتًجً عن تَفاعل داخل.

وثقافة العواطف نراها ويُعَبّرُ عنها بسلوك ظاهر كالشعارات المختلفة، والجماعات السياسية والأحزاب والمذاهب والأفكار الناتًجة عن أسباب بيئية وتربوية أثرها واضح فًي النشأة، وكذلك الأحوال الاقتصادية لَها دورها الذي بدلت به عقائد مجتمعات بأكملها، فكم رأينا من آثار الفقر على مذاهب الناس وتوجهاتًها، وللناحية العلمية ووجود الجهل دور مؤثر فًي طغيان العاطفة وحجب الحقيقة، وللروابط المختلفة من رحم وصداقة تأثير بيني فًي توجيه عواطف الإنسان وخلق عقيدته ومنهجه، قال تعالَى:(وَوَصَّيْنَا الإًنْسَانَ بًوَالًدَيْهً إًحْسَانًا)[الأحقاف: 15]، وقال:(وَصَاحًبْهُمَا فًي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: 15]، وروى أبو داود في سننه(4833)، والترمذي في سننه (2378)، وأحمد في المسند(2/ 303، 334) بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، وما نراه من سلوكيات وظواهر مختلفة ما هو إلا تعبير عن هذه الآثار.


طغيان العاطفة خلل يَحجبُ الحقيقة


وإًنَّ كثيرا من عدم الاتزان والاضطراب الذي تعيشه الجماعات والأفراد، نَجد من أسبابه ودوافعه الرئيسة ما ذكرناه من ثقافة العواطف، عندما لا تحكم بأصول التشريع وقواعده، وهو تأثير الانفعالات العقلية والْمُيول النفسية على الفرد والجماعة ليُدْفَع فًي اتْجاهً الْخللً عند تَحصيل المصالح والمنافع، وهذه العواطف عنصر مؤثر فًي تكوين العقائد والنظريات، وتقرير المسائل واتخاذ القرار، ولًهذا كانت العاطفة سببا لوجود كثير من الأفكار الْمُنحرفة، والسلوكيات الشاذة.


[العواطف أسقطت مذاهبَ وملوكا، وأنشأت عقائد ودُولا]


إذا انفلت زمام الأمر وصُرفَ الناسُ عن العقائد السليمة، وَوُكًلَ الناسُ إلَى أنفسهم وعواطفهم، لا إلَى رَبًّهم عز وجل، فإن الثورة العاطفية والْهيجان البشري يبلغ به الْمدى لتبديل عقائد الناس وتَمزيق حدود البلدان ومعالًمها، فهو يدفع الْجَماهير والْجُموع البشرية فًي كل اتجاه، تحطم كل شيء فًي طريقها كثورة البركان يدمر ما حوله، فإن فوضى العواطف تفعل ما لا تفعله الجيوش الْمُنَظمة، فتغير العالَم، وترسم معالًم الأرض وحدود الدول فًي أيام محدودة بل فًي ساعات معدودة.


ضبط العواطف بالكتاب والسنة

أدلة وأمثلة من تقديم الشرع علَى العواطف


أولا: موقف أبي بكر الصديق من العواطف

الموقف الثابت من الصديق أبي بكر رضي الله عنه» أوقف الرياح العاطفية التًي عصفت بالْمسلمين بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان الوقع مفاجئا على الصحابة حتى أفقد الكثير منهم التركيز لشدة فَقْدً مَنْ أَحبُّوه وعاشوا معه، وفقدان الوحي معه، فحصل اللغط بين المسلمين، وفرح المنافقون بًما حدث، واعتقد بعض الناس بنهاية الأمر، فكان موقف أَبًي بكر رضي الله عنه وثباته وصموده أمام العواطف والمشاعر التي ألْهَبَتْ أجواء المدينة، فلم يذهله شيء من تلك الأحاسيس والانفعالات عن الحق، وخشي من ردة بعض الناس عن الإسلام، فذكر الناس بالله وَبًما جاء فًي كتابه، وبين الحق وجعله الله سببا فًي ثبات الْمؤمنين، وَوُلًّيَ الخلافة بعدُ، كما جاء فًي رواية البخاري (3670) فًي صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسُّنْحً ـ قال إًسْماعيل: يعني بالعالية ـ فقام عمر يقول: والله! ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بَأبًي أنت وأمي طبت حيا ميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدا، ثم خرج، فقال: أيها الْحالف! على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم» فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله» فإن الله حي لا يموت، وقال: (إًنَّكَ مَيًّتي وَإًنَّهُمْ مَيًّتُونَ)[الزمر:30]، وقال: (وَمَا مُحَمَّد إًلا رَسُول قَدْ خَلَتْ مًنْ قَبْلًهً الرُّسُلُ أَفَإًنْ مَاتَ أَوْ قُتًلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابًكُمْ وَمَنْ يَنْقَلًبْ عَلَى عَقًبَيْهً فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزًي اللَّهُ الشَّاكًرًينَ)[آل عمران:] ...إلَى قولًه: فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس .

وبثقافة العواطف قتل عمر رضي الله عنه وقالوا جهادا، وبثقافة العواطف قتل عثمان رضي الله عنه وقالوا عدالة، وتوالت الويلات على الأمة، لعدم تحكيم الكتاب والسنة، وترك العقل بلا ضابط، فكان لثقافة العواطف النصيب الأكبر من الخراب والدمار الذي أصاب الأمة.


ثانيا: موقف سعد بن أبي وقاص من دموع وعواطف أقرب الناس نسبا


من يصمد أمام عاطفة الأمومة؟! من يوقف عاطفة الأم ويكفكف الدموع؟ ومن يُعرض عن هذا الشعور، ويَجعلُ الإيْمانَ باللهً نَصْبَ عَيْنَيْهً، وغايته، ومبتغاه، فيُخْضًع مشاعره وعواطفه لًمرضاة الله، إًنَّهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» العهد الأول، وإليك ما رواه مسلم (1748) في صحيحه من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زَعَمْتَ أن الله وصاك بوالديك! وأنا أمك، وأنا آمرك بًهذا، قال: مَكَثَتْ ثلاثا حتَى غُشي عليها من الْجهدً فقام ابْني لَها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: (وَوَصَّيْنَا الإًنْسَانَ بًوَالًدَيْهً حُسْنًا) [العنكبوت:8]، (وَإًنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرًكَ بًي)، وفيها: (وَصَاحًبْهُمَا فًي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)[لقمان: 15]. وفي الآية دليل على ترك دين الآباء مع المصاحبة في الدنيا بالمعروف» أي: الإحسان إليهما وإن كانا كافرين.


[لا تخضعوا لثقافة العواطف واعرضوها على الكتاب والسنة]


ثانيا: موقف أَسْماء بنت أَبًي بكر الصديق من عواطف الرحم

وهذه أَسْماء بنت أَبًي بكر الصديق كان لَها رحم من الكفار فقدموا من مكة لزيارتًها، فقاومت العاطفة وجردت نفسها، وأبت إلا عرضها علَى التشريع، كما جاء في رواية البخاري (3183) ومسلم (1003) في صحيحيهما من حديث أَسْماء بنت أبًي بكر رضي الله عنهما قالت: قَدًمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها، فاسْتَفتَتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم صليها).


[ثقافة العواطف» مسرح بلا رقابة]


العواطف وظاهرة التكفير واستباحة الدماء المعصومة

وإن ما ترونه من ظاهرة التكفير واستباحة الدماء المعصومة عبر تاريخ الأمة، هو بسبب الانحراف عن الضوابط الشرعية، ووقوع بعض الدعاة أو نشأةً الأفراد تحت وطأت العواطف والانفعالات الْمختلفة لتخرج طائفة منحرفة» ذهبت تكفر الأفراد والمجتمعات وتستبيح القتل باسم الغيرة علَى الإسلام.


تفريق الأمة بالحزبية» ظاهرة عاطفية


لا يستطيع أحد التشكك في أن الأحزاب وليدي جاء من رحم ثقافة العواطف، حيث تداعت الأفكار والانفعالات والميول التي تجنح إلى الانفراد بمصالح الأمة وثروات الشعوب، حتى أصبحت لواءً التف حوله أنصاره، فتكونت الأحزاب وصنعت العصبية المحظورة، روى مسلم (1850) في صحيحه من حديث جُندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسولُ اللَّهً صلى الله عليه وسلم: «من قُتًل تَحت راية عًمًّيَّة يدعو عصبية أو ينصر عصبية فَقًتْلَة جاهلية»، وروى أحمد فًي المسند (1/449) بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعان قومه على ظلم فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه»، رواه البخاري(4905)، ومسلم (2584) فًي صحيحهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة ـ قال سفيان: مرة في جيش ـ فكسع رجل من الْمُهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال الْمُهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى جاهلية»، قالوا: يا رسول الله! كسع رجل من الْمُهاجرين رجلا من الأنصار فقال: «دعوها فَإًنَّها مُنْتًنَة» وَفًي رواية للبخاري (3158): «دعوها فإًنَّها خبيثة». أفضل الأسْماءً أنكرها النبي صلى الله عليه وسلم عندما رفعت باسم العواطف، ولذا نهيَ عنها في حينها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/328): وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار» قال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟»، وغضب لذلك غضبا شديدا. وقال فًي اقتضاء الصراط المستقيم (1/71): فهذان الاسْمان» الْمُهاجرون والأنصار اسْمان شرعيان جاءَ بًهما الكتاب والسنة وَسَمَّاهُما الله بًهما، كما سَمانا(الْمُسْلًمًينَ مًنْ قَبْلُ وَفًي هَذَا) [الحج: 78]، وانتساب الرجل إًلَى الْمهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله، وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط» كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من الْمَكروه أو الْمُحرم» كالانتساب إًلَى ما يُفضي إلى بدعة أو معصية أخرى، ثم مع هذا لَما دعا كل واحد منهما طائفة منتصرا بًها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسَمَّاها دعوى الجاهلية. وقال ابن القيم في مدارج السالكين (2/370): وهُما اسْمان شريفان سَماهم الله بًهما في كتابه فنهاهم عن ذلك، وأرشدهم إًلَى أن يتداعوا بالْمسلمين والْمؤمنين وعباد الله وهي الدعوى الجامعة بخلاف المفرقة كـ (الفلانية و الفلانية) فالله المستعان .اهـ


التجرد من جلباب ثقافة العواطف


ونختم بأن الأسباب المختلفة التي تُمثل مجموعة تنطلق منها ثقافة العواطف:

:1ـ كالآثار البيئية والتربوية.

2ـ تأثير العلاقة مع الأصحاب والْخلان فالمرء على دين خليله.

3ـ الأهل والأقارب والنسب.

4ـ الجهل. 5ـ الفقر . 6ـ المحبة. 7ـ الخوف . 8ـ الغضب. وما أشبه ذلك من الْمُؤثرات الْمُتنوعة التي يجب أن يُجرد الإنسان نفسه منها عند النظر فًي الْمسائل الشرعية وغيرها، عقيدةً ومنهجاً وعبادة وسلوكا، ويكون متبعاً للكتاب والسنة، خاضعا للنصوص الشرعية غير عابئ بًما تُمليه مشاعره وأحاسيسه، لا يرهب مُحيطه حَتَى يَخْرُجَ بتحرير سليم، فيقف علَى أرضي صلبة، ويصل إلَى معرفة الحقيقة، و يُمَيًّز أهلها.


د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 28/1/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127