الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

(وَلاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا) د/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 30 / 08 / 2009
                                

(وَلاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا)

كلما فشي الْجهل واندرس الإسلام، ظهرت الْخرافات وعَلَتْ شعاراتُ الكفر وانتشرت، وانْحرف العباد عن ذلكم الدين القيم، قال تعالَى: (فَأَقًمْ وَجْهَكَ لًلدًّينً حَنًيفًا فًطْرَةَ اللَّهً الَّتًي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدًيلَ لًخَلْقً اللَّهً ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ وَلَكًنَّ أَكْثَرَ النَّاسً لاَ يَعْلَمُونَ )[الروم: 30]، وابتلًيَ كثيري من الْخلقً بالبدع والْمَعاصي وسيئ الأخلاق، فأفسدوا فًي البلاد ولوَّثوا عقائد العباد، والله سبحانه وتعالَى يقول: (وَلاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إًنَّ رَحْمَةَ اللَّهً قَرًيبي مًنَ الْمُحْسًنًينَ) [الأعراف:56]، ويقول تعالَى: (يَا قَوْمً اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مًنْ إًلَه غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيًّنَة مًنْ رَبًّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمًيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا ذَلًكُمْ خَيْر لَكُمْ إًنْ كُنْتُمْ مُؤْمًنًينَ) [الأعراف: 85]، فكان أن بعث الله رسله لتجديد العهد بالتوحيد ونبذ الشرك، ونشر الفضيلة، ومفارقة الرذيلة، قال الله تعالَى: (رُسُلا مُبَشًّرًينَ وَمُنْذًرًينَ لًئَلا يَكُونَ لًلنَّاسً عَلَى اللَّهً حُجَّة بَعْدَ الرُّسُلً وَكَانَ اللَّهُ عَزًيزًا حَكًيمًا ) [النساء: 165]، بعث الله الأنبياء والرسل لبيان دعوة التوحيد، وتوضيح شهادة أن لا إله إلا الله، وتصحيح العقائد الفاسدة، والْمفاهيم السائدة، وتقويم الْمناهج الْمُنحرفة» فًي عالَم فسد فيه كثير من الْخَلْقً، وصار دين الناس خليطا من الخرافات والبدع.

فساد العقيدة والمنهج إفساد في الأرض

إعلان التوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وإخلاص العبودية لله الواحد القهار، فيه صلاح للمُعْتقد وهو رأس الأمرً فًي صلاح الأرض، وتطهيرها من الفساد، فلا يشرك مع الله أحدا غيره، ولا يعبد سواه، قال تعالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجًدَ لًلَّهً فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهً أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهً يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهً لًبَدًا قُلْ إًنَّمَا أَدْعُو رَبًّي وَلاَ أُشْرًكُ بًهً أَحَدًا) [الجن : 18ـ20]، وروى مسلم في صحيحه (2985) من حديث أبًي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالَى: »أنا أغنى الشركاءَ عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري» تركته وشركه«، فإن الله عز وجل لا يُشْرَك معه ملك مُقرب، ولا نبي مرسل، فلا تُعبدُ أحجاري، ولا يُسجدُ لأشجار، ولا تُعبدُ القبور، ولا يُعَظَّم الصالًحون، ولا تُستَبْدَلُ الْمَساجدُ بًالْمشاهدً، ومن أجل صلاح الأرض، وتطهير البلاد والعباد» لا نُريد عودةً لانْحرافات ذلك العهد الْمُظلم، وتكراري لًما عليه الأمم والطوائف السابقات من عقائد الشرك والخرافات، قال تعالَى: (وَلاَ تَكُونُوا مًنَ الْمُشْرًكًينَ ) [الروم: 31]، ولنا ما رواه البخاري (1330)، ومسلم (531) فًي صحيحهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لَم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى» اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)،

عبادة البشر والحجر صورة تتكرر وأصلها واحد

ما انتشر من العقائد الزائفة، وما يُشاهد من وُقوعي لًلدّهْماءً فًي الشركيات والبدع فًي بعض بلدان الْمُسلمين، والانْحراف الذي يُمارسه قيادات العوام، ورؤوس الْجَهْلً الْمُعاصرين» هو امتدادي لانْحرافات الأمم والطوائف السابقة، التًي سلكت سبيلا غَيْرَ سبيل الأنبياء والْمُرسلين، وأتباعهم من الْموحدين، وأمست تُمثل جزءاً من التاريخ، تعكس صُوَر الظلام عبْر مراحل الإنسانية.

قال الله تعالَى: (وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلًهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) [نوح:23]، والْمَعنَى مبيّني فيما رواه البخاري فًي صحيحه (4920) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت فًي قوم نوح فًي العربً بَعْدُ» أَمَّا وُدّ كانت لًكلب بدومة الجندل، وأما سُوَاع كانت لًهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لًمُراد ثُمَّ لًبنًي غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يَعُوقُ فكانت لًهَمْدَانَ، وأما نَسْري فكانت لًحمْيَرَ لآل ذي الكلاع، أَسْماءُ رجال صالًحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إًلَى قومهم أن انصبوا إًلَى مَجالسهم التي كانوا يَجلسون أنصابا وَسَمُّوها بًأَسْمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ حتَّى إذا هلك أولئك» وَتَنَسَّخَ العًلمُ، عُبًدَتْ. وَفًي قوله: (هلك أولئك)» مَاتَ الذين نصبوا الأنصاب وكانوا يعلمون لماذا نُصًبَت، (تَنَسَّخَ العًلْمُ)» زالت معرفة الناس بأصل نصبها، وفي رواية: (نُسًخَ العًلمُ): أي» نسخ العلم بقصة تلك الصور وتاريخها وأسباب نصبها.

واليوم نشاهد هذه الأحداث وكأن الزمن قد استدار، نرى الأصنامَ والْمشاهد قد نصبت بًأَسْماءً الصالًحين، وعملوا علَى صرف العبادة إلَى غير الله، كالسجود والطواف والدعاء والْمَحبة والاستغاثة والاستعانة والخشية والخوف والخشية والرهبة، والاعتقاد بأن هذه الأصنام تضر وتنفع فتكشف الضر وتدفع الكرب، فوقعوا فًي الشرك، وأختم مذكرا بكلمة التوحيد الجامعة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله» صلى الله عليه وسلم.


د/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 31/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127