الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

لا خير في كـثرة الرؤسـاء (1) الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



لا خير في كـثرة الرؤسـاء (1)

إن مصالح الأمم وانتظام حياة الناس، وتطور الدول لا يكون بتعدد الأمراء، وكثرة الرؤساء، واختلاف الآراء» بل بوجود أميري واحد، ورئيس واحد، ورأي واحد، وإن ما تُحَقًّقُه الأمَمُ والْمُجتمعات مًن نُمو فًي كل الاتّجاهات» لَم يكن نتاج آراء متعارضةي، بل يُصْنَعُ بوحدة الرأيً ونفاذ الأمر، ويصدر عن قيادة حكيمة موحدة» مرضية من أفراد الْمُجتمعً وَمُنتسبيه، فلا تصلح أمور الناس علَى اختلاف طبقاتًهم إلا برئيس أو أمير يقودهم فيصدروا عن أمره وينتهوا إلَى رأيه، ويزداد الأمر فوضى ويظهر الإشكال عياناً في حال الأكفاء المتساوين في الدرجة وليس لَهم رئيس يقودهم ويفصل بينهم، فمن يقود الآخر والشبيه، والدليل ما رواه البخاري (3455)، ومسلم (1842) في صحيحيهما عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نَبًيّي خلفه نَبًي، وإنه لا نَبًي بعدي» وسيكون خلفاء فيكثرون))، قالوا فما تأمرنا ؟ قال: (( فوا ببيعة الأول» فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) .

الطاعة لواحيد لا لعشرات والأمر لرئيس واحد لا لرؤساء

لذا لا يشك عاقل أن الناس في حاجة إلَى من يقوم علَى أمرهم ويوحد صفهم، لا من ينازع أميرهم الذي يسوسهم ويُشتت شَملهم، فالطاعة لواحيد لا لعشرات، والأمر لرئيس واحد، لا لعدة رؤساء كلي يدعي أن الإصلاح وخير الأمة»لا يكون إلا بيده وعن طريق حزبه.

وقال الشاعر:

تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت

فإن تولّت فبالأشرار تقتاد

لا يصلح القوم فوضى لا سـراة لَهم

ولا سراة إذا جهّالهم سادوا

وهذا يعني أن ضرورات الحياة والحفاظ على حقوق الناس ومصالحهم يوجب الإمامة، والتفاف الناس حول السلطان، من أجل قيام المصالح وحاجات الخلق ودوامها، والواجب على هذا الأمير تفويض زُبدة الْمُجتمع، وحُكمائه، والنخبةُ الْمُختارة المنتقاةي من أهل الحل والعقد، وأعني بًهم عقلاء الناس وأصحاب العلم والاختصاص، قال تعالَى:(وَمَنْ يُؤْتَ الْحًكْمَةَ فَقَدْ أُوتًيَ خَيْرًا كَثًيرًا)[البقرة: 269]، وروى البخاري (73)، ومسلم (816) فًي صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبًي صلى الله عليه وسلم: »لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا» فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة» فهو يقضي بًها ويعلمها«. والحكمة» هيَ: العلم الذي يرفع صاحبه عن الجهل ومواطن الزلل، وينأى بأهله عن قبيح الأقوال والأفعال، ولذا قيل في الحكمة: هي إصابة الحق بالقول والعمل.


إيقاف المشاركة العشوائية واختيار النخبة


من أهل العلم والحكمة والاختصاص


إننا بًحاجةي إلَى من يقضي بالحكمة، فيعيد كُلَّ عقلي إلَى صوابه، ويضع الْحقَّ فًي نصابه، فلا بد من إيقاف هدير الحناجر والضجيج السياسي» الذي ينادي بالتدخل في صغير الأمور قبل كبيرها» باسم المشاركة الشعبية، فانتهى بنظريته ودعواه» إلَى إعاقة التنمية فًي البلاد، وإضاعة مصالح العباد، ويقابل الإيقاف للمشاركة العشوائية» اختيارُ بطانة من أهل العلم والاختصاص، فقد روى البخاري فًي صحيحه (4642) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: [ وكان القراء أصحاب مَجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا» أو شبابا]، وروى البخاري في صحيحه (1392) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [إني لا أعلم أحدا أحق بًهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي» فهو الخليفة، فاسْمعوا له وأطيعوا، فسمى عثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص]، وفي رواية مسلم في صحيحه (567): [ وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لَم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بًي أمر فالْخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ].


وحدةُ الرأيً بًمشورة النخبة من أهل الحل والعقد


فلا بد من رأيّي مُوحد بعد مشورة النخبة من أهل الاختصاص، يصدره أمير واحد يسوس الناس بقيادات تُمَثًّلُ حلقة الأمان بين الراعي والرعية، تجمع بين الحكمة والعقل، فالحاكم أمنهم علَى أهله ورعيته وشعبه، مًمّا يُشعر الناسَ أن أمورهم فًي أيدي أمينة، وشؤون حياتًهم فًي مواضع حصينة، فتسير أمور البلاد فًي ظل حكيم الرأيً والاعتدال ؟

المشاركة الشعبية إلَى أين ؟! ... وخطرها على الأمة

أولا: المشاركة الشعبية هي المطالبة بًمشاركة الجهال والعلماء، والسفهاء والحكماء والمرضى والأصحاء دون استثناء» فكل الناس واجب عليه مشاركة من يسوس العباد والبلاد من الأنبياء والخلفاء والأمراء، والقاعدة أن لا يتفرد بأمر القيادة أحد، وهذا عين الفوضى وهدم لبناء المصالح كافة، قال ابن منظور في اللسان في مادة ( فوض ): وقومي فَوْضَى مُختَلًطُون، وقيل هم الذين لا أَمير لَهم» ولا من يجمعهم، قال الأَفْوَهُ الأَوْدًي:

لا يَصْلُحُ القَوْمُ فَوْضَى لا سَراةَ لَهم

ولا سَراةَ إًذا جُهّالُهُم سادُوا

ثانيا: المشاركة الشعبية وزرع الرؤساء الجدد» إنّنا نرى تفككا للمجتمع وتقسيمه إلَى مقاطعات تُحكم بالرؤساء الجدد، ففًي كل ناحية من البلاد عرش قد تربع عليه إمبراطور لا يرى قيمة لغيره، صَنَعُهُ الْخُروجُ علَى الْمألوف، ومجاوزة الفطرة، وشعارات المشاركة الشعبية، و قاعدة لا» لتهميش الشعوب!!.

وفي العدد المقبل بإذن الله تعالى نكمل الحديث عن المشاركة الشعبية وآثارها، والحمد لله رب العالمين.


د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 12/11/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127