الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

فضيلة الليلة المباركة... ليلة القدر - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



فضيلة الليلة المباركة... ليلة القدر

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعدُ:

قال الله تعالَى: (إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَةً الْقَدْرً وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرً لَيْلَةُ الْقَدْرً خَيْر مًنْ أَلْفً شَهْر تَنَزَّلُ الْمَلاَئًكَةُ وَالرُّوحُ فًيهَا بًإًذْنً رَبًّهًمْ مًنْ كُلًّ أَمْر سَلاَم هًيَ حَتَّى مَطْلَعً الْفَجْرً)(القدر: 5ـ1).


معنى ليلة القدر


إًنَّها ليلة مشهورة ومشهودة ولفضلها وشرفها ذكرها الشعراء:


أيا ليلة بالخصب لَم تأل شهرة

كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر

التعريف: ليلة القدر هي ليلة يوم من أيام شهر في السنة، وهذا الشهر» شهر رمضان، قال تعالَى: (إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَة مُبَارَكَة إًنَّا كُنَّا مُنْذًرًينَ فًيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكًيم) (الدخان 4ـ3)، ومعنى القَدْر: قال ابن القيم في شفاء العليل (23/1): أن القدر مَصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير، وقال: الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق أي» يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم اهـ

قال ابن منظور في اللسان(74/5): القَدْرُ والقَدَرُ القضاء والحُكْم وهو ما يُقَدًّره الله عز وجل من القضاء ويحكم به من الأُمور قال الله عز وجل: (إًنا أَنزلناه في ليلة القَدْرً) أَي الحُكْمً كما قال تعالى: (فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمر حكيم) وأَنشد الأَخفش لًهُدبَة بن خشرَم:

أَلا يا لَقَومي للنوائبً والقَدْرً

وللأَمرً يأتي المرءَ من حيثُ لا يدري

وللأرض كم من صـالح قد

تَوَدَّأَتْ عليه فَـوَارَتْهُ بلَمَّـاعَة قَفْرً

فلا ذَا جَـلال هًبْنَهُ لجَـلالًه

ولا ذا ضَيـاع هُنَّ يترُكْـنَ للفقرً


ليلة القدر والأمثال


وذهبت هذه الليلة يضرب بًها الْمَثل لفضلها وشرفها وقد ضرب بًها الْمَثل من قال:

فتى ترهب الأموال من ظل كفه

كما يرهب الشيطان من ليلة القدر

سأدعو له والناس دعوة مخلص

عسى أن يريح العاشقين من الهجر

ومن أحسن ما قيل في ضرب المثل بًها قول أَبًى الفتح البستى:

قيل لي قد خفيت قلت كبدر

صار يخفى من بعد أن كان بدرا

أنا خاف كليلة القدر في الناس

وعال كليلة القدر قدرا

وقيل:

هي البدرُ حسناً والنساءُ كواكبي

وشَتَّانَ ما بين الكواكبً والبدرً

لقد فُضًّلتْ حسناً على الناس مثلَما

على ألًف شهر فُضًّلتْ ليلةُ القَدْرً


فضل ليلة القدر


ومن فضائل هذه الليلة:

ـ1 أنزل الله فيها القرآن، قال تعالَى: (إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَةً الْقَدْرً) (القدر: 1).

ـ2 ونعتها بالليلة المباركة» قال تعالَى:(إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَة مُبَارَكَة) (الدخان: 3).

ـ3 وجعلها خيرا من ألف شهر فقال تعالَى: (لَيْلَةُ الْقَدْرً خَيْري مًنْ أَلْفً)، أي» أن العمل في ليلة القدر بًما يرضى الله خَيْري من العمل في غيرها ألف شهر.

ـ4 وفي هذه الليلة تنزل الملائكة بأمر ربّها تقوم بًما أنيط بًها من الأعمال في هذه الليلة

ـ5 قيام ليلة القدر من الإيمان، وفيها تغفر الذنوب وتَمحي حسناتُ هذه الليلة الذنوب، والدليل ما رواه البخاري(35)، ومسلم(760) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال البخاري في صحيحه :بَاب قيام ليلة القَدْر من الإًيْمان.

ـ6 وذكر الطبري في تفسيره من فضلها: قال قتادة: إن الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل. اهـ

وعلامة هذه الليلة تخرج الشمس بيضاء لا شعاع لَها

ومن علاماتًها: ـ1 تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها.ـ2 مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع. ـ3 تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرً. ـ4 صافيةي بَلْجَةي ساكنة ساجية. لًما رواه مسلم في صحيحه (762) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، وقيل له: إن عبدالله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر فقال أُبَي: والله الذي لا إله إلا هو، إًنَّها لفي رمضان، يحلف ما يستثني ووالله» إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بًها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها» هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأَمارتُها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها. أي» كأن الشمس في ذلك اليوم لا شعاع لَها لغلبة نور تلك الليلة على ضوء الشمس. ولذا جاء في رواية أبي داود في سننه (1378)، وأحمد في المسند (132/5) بسند حسن» قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة» مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع، وفي رواية الترمذي في السنن(793) صح من حديث أبي بن كعب قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لَها شعاع فعددنا وحفظنا والله.وقال عبادة بن الصامت عند أحمد (324/5): تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرً وذكر أن أَمارة ليلةً القَدْرً: أَنَّها صافيةي بَلْجَةي كأن فيها قمرا ساطعا ساكنة ساجية، لًما رواه أحمد في المسند من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (324/5)، قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (151/1): ليلة القدر بَلْجَةي أي مُشْرقة، والبُلْجةُ بالضم والفتح: ضوء الصبح، وقال ابن منظور في اللسان (215/2): والبَلْجَةُ بالفتح ويالبُلْجَةُ بالضم ضَوء الصبح وبَلَجَ الصبح يَبْلُجُ بالضم بُلُوجاً، وانبَلَجَ وتَبَلَّجَ أسفر وأضاء.


تحري ليلة القدر والتماسها


يكون تَحَرًّي ليلة القَدْرً فًي الوًترً من العشرً الأواخرً من شهر رمضان، وبهذا تكون ليلة القدر في شهر معين من السنة هو شهر رمضان، وفي العشر الأخيرة منه، وفي الأوتار منها بلا تعيين ليلة بذاتًها وسبب الإًبْهام ما رواه البخاري في صحيحه(2023) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر» فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». قوله: «وعسى أن يكون خيرا لكم»، و لعل ذلك أن يكون خيرا لكم أي قد يكون إخفاؤها خيرا لكم لتجتهدوا فًي ليالًي العشر كلها فإنه قد يكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس.

أولا: التماس ليلة القدر في العشر الأواخر: (1) روى البخاري(813)، ومسلم(1167) في صحيحيهما أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: انطلقت إًلَى أبي سعيد الخدري فقلت: ألا تخرج بنا إًلَى النخل نتحدث، فخرج، فقال: قلت: حدثنًي ما سَمعت مًنَ النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم في ليلةً القَدْرً؟ قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر الأول من رمضان» واعتكفنا معه» فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط» فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم فليرجع» فإني أريت ليلة القدر، وإني نسيتها، وإًنَّها في العشر الأواخر، وفي وتر، وإني رأيت كَأَنًّي أسجد في طين وماء». وكان سقف المسجد جريد النخل» وما نرى في السماء شيئا» فجاءت قزعة فأمطرنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم» حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرنبته تصديق رؤياه.

(2) وروى البخاري(2020)، ومسلم(1169) في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: « تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ».

ثانيا: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: وروى البخاري(2017)، صحيحيه من حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». وروى البخاري في صحيحه(2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى».

ثالثا: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر: روى البخاري(2015)، ومسلم(1165) في صحيحهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَ القدر في الْمَنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر».

رابعاً: التماسها في ليلة سبع وعشرين: قال به بعض الصحابة، وفي هذا روى الترمذي في سننه(793) من طريق زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: أَنَّي عَلمتَ أبا المنذرً! أَنَّها ليلة سبع وعشرين! قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلةي صبيحتها تطلع الشمس، ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله» لقد علم ابن مسعود أَنَّها في رمضان، وأَنَّها ليلة سبع وعشرين ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.قلت: وهو كما قال.


الدعاء في ليلة القدر


والدعاء فيها: يحسن الدعاء فيها بأفضل الدعاء وأحسنه، ولا يعتدي أحد بدعائه، ولا يتجاوز ولا يتخذ وسائط في دعائه، ويختار من الدعاء الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم

روى أحمد في المسند(171/6) بإسناد صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟! قال: «تقولين اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

والحمد لله الذي بلغنا رمضان وبلغنا العشر الأواخر منه، واللهم! اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين واختم بالصالحات أعمالنا.

ولله من شهر الصيام مودع

على كل محتوم السعادة يكرم

تنزل فيه الذكر من عند ربنا

فيبدأ بالذكر الجميل ويختم

ولله فيه من ليـال منـيرة

أضاء بنور الوحي منهن مظلم

وصابت سحاب الدمع يمحى بمائها

من الصحف أوزار تخط ومأثم

ولله فيه ليلة القدر قد غدت

على ألف شهر في الثواب تقدم

تبيت بًها حتى الصباح بإذنه

ملائكة السبع الطباق تسلم


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر: الاثنين 8/10/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127