الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الأحزابُ دعوة إلى التفرق...ونًهاية دول (2) الشيخ عبدالعزيز ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                


الأحزابُ دعوة إلى التفرق...ونًهاية دول (2)

كتب: د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

ذكرنا في ما مضى الأدلة من الكتاب والسنة على عدم مشروعية تكوين الأحزاب سراً وعلناً، واليوم نتناول ما فعلته الأحزاب من فرقة وخلاف بين المسلمين في كل مكان ولجته، ودخلت بين أهله.

اعلموا عباد الله أنه لم يعرف المسلمون عبر التاريخ أحزابا ظاهرة، ولَم يكن من مشاريع الإصلاح يوما» تلك الدعوة العلنيةً إًلَى إنشاءً الأحزاب وحشر الناس في هذه القوالب وتفريق الْمُسلمين والعمل علَى نشر الْخًلافً، لَم يكن للنخبةً من أهل الْحل والعقد، وأصحاب العقول الرشيدة» شأن بًهذا العمل الرخيص بل هو قاصري علَى الْمُنحرفين مًن الْمبتدعةً، وقطاع الطريق، لذا لا تَجد هناك أحزابا فًي عهد الْخًلافَةً الراشدةً ولَم نر أو نقف علَى دعوةً أحد من أولئك الْمُصلحًيْن فًي ذلك العهد الْجميل» يرفعُ شعارا حزبياً أو يقف خلف راية عَمًيَّة، بل ما هذه الأحزاب والالتفافُ حولَها إلا طريقة مظلمَة باطنيَّة، ومسلك الذين يَتَرَبَّصُونَ بًهذًهً الأُمَّةً الدَّوَائًرَ مًنَ الفرقً والطوائف الباطنية كالْخَوارجً والسَبَئًيَّةً.

نًهاية دولة بَنًي أمية بالأحزاب السرية

كانت سقوط الخلافة الراشدة بنهاية عهد الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك على يد أعداء الإسلام، الذين ماتوا كمداً من العرب، وما حدث من قهر لملكهم بظهور الإسلام، وما يملك من قوة في جمع الناس، واتباع دولته، والدخول في حمايته، ما زال انتشار الإسلام، وظهور نوره، وعلو أمره، وفي زمن قليل، يعلن الدهشة على وجوه العالمين، حتى قتل المخربون من هذه الأحزاب الباطنية حسداً وحقداً خليفة المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

عجلة التاريخ كانت تدور بأمر من دمشق

ثُم قامت الدولة الأموية وبسطت نفوذها علَى جزء كبير من العاَلَم» وعلى الدولتين العظميين فارس ومساحات كبيرة من بلاد الروم، وأصبحت هي الدولةُ العظمى الأوحد، وعجلة التاريخ تدورُ بأمر من دمشق ًعاصمة الخلافة حين ذاك، وكان عصرا ذهبيا، رُفًعَت فيه هامةُ الأمةً عاليا، وإنَّها ورغم مساحتها الكبيرة واختلاف ألْسًنَةً سُكّانًها» لَم تعرف دولة الْخًلافةً الأَمَويةً أنظمةً حزبيةً وأحزاباً مُعلنةً» ولنا أن نتساءَلُ أين الصحابةُ آنذاك؟! أينَ ما ورثوه عَنً النَّبًي صلى الله عليه وسلم مًنْ سُبُلً النَّهضةً والإصلاحً؟ لًماذا لَم يَخرجوا علَى الناسً بًدَعوةً الإصلاح؟! ويطالبوا بعدم تَهمًيشً الشعوب، ويعلنوها صيحة تَملأُ الدنيا وينادوا بالْمُشاركةً الشعبية ـ التًي يُدَنْدًنُ حولَها المُعاصرون ـ؟!

عبد الله بن عمر ومعارض الدولة بتأسيس الأحزاب

ولًماذا يَجعلُ عبدُ الله بن عُمَر بن الْخطابً من نفسه عضوا فًي مؤسسة الْحاكم؟ ويرفضُ تأسيس الأحزاب، كما روى البُخاريُّ فًي صَحيحًهً (7205 ) عَن سُفيان، قال: حدثنًي عَبدُ اللهً بن دينار، قال: لَمَّا بَايع النَّاسُ عبدَ الْملكً كتَبَ إًليه عَبدُ اللهً بنُ عُمَرَ: إًلَى عبدً الله» عبدً الْملكً أَميرً الْمُؤمنينَ، إًنًّي أُقًرُّ بالسمعً والطاعةً لعبدً اللهً عبدً الْملكً أَميرً الْمُؤمنينَ علَى سُنَّةً اللهً، وَسُنَّةً رسولًهً» فيما استطعتُ، وإًن بَنًيَّ قد أَقَرُّوا بذلك.

البخاري في عهد محنة أهل الحديث والسنة يدعو للاعتصام

وَنَبَّه على هذا الْموقفً البخارى (7272) فكرر إيراد الأثرً فًي كتابً الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه لأهميته، فرحم الله البخاريُّ ذاك الإمام السُّني الذي يدعو إلَى الاعتصام فًي العهد العباسًي، وكان من تلاميذ الإمام الممتحن أحمد بن حنبل وقال تعالَى:(وَاعْتَصًمُوا بًحَبْلً اللَّهً جَمًيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نًعمَةَ اللَّهً عَلَيْكُمْ إًذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبًكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بًنًعْمَتًهً إًخْوَانًا)»آل عمران: 103«، وفًي الآية دليل على وجوب الاتفاق وتَحريم التفرق والاختلاف، وأن من أعظم نعم الله علَى عباده الاجتماع والوحدة والتآلف» بعد أن كانوا طوائف وفرقا وأحزابا، وهذا برهانُ واضح على أن الْمُسلمين حزب واحد غَيْرَ قابل للتجزئة والتَّمزقً.

وهكذا نرى أن دولةَ بنًي أمَيَّةَ لَم تعرف شيئا من الفًرقَ الْحًزبيةً إلا ما كان من تلك الأحزاب السريَّةً ومن عملَ سراً على إسقاط دولة بنًي أميةَ، وبًانتهازيةً هذه الأحزاب كان لَهم ما أرادوا، وانتهت الدولة الأموية لغفلتها، وانشغَالًها عن هذه الأحزاب والفرق، والتَّهاون اتْجاه خطرها... فكانت الأحزابُ سبباً فًي نًهايةً دولة عظمى.

العالم بأسره كان ينظر إلى ساعة بغداد الحصينة

مالك بن أنس والشافعي لَم ينشئا أحزابا ( إصلاحية !!)

وماذا نقول فًي تاريخ الدولة العباسية وهي التي بلغت منً القوةً مبلغاً فًي عصورها الذهبية جعلت العالَم بأسره يتحرك مع دقاتً ساعة بغداد الْحصينة عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك، وفًي هذه الدولة الْمشهورة هل طالب النخبة من العلماء وأهل الحل والعقد كإمام دار الْهجرة» مالك بن أنس، وتلميذه مُحمد بن إدريس الشافعي رحمهما الله» بإنشاء الأحزاب؟ أين أولئك العلماء الْمُصلحون من هذه الدعوة الْجوفاء؟

خرج من السّجنً ولَم يُواجه بًلادَهُ بالأَحزاب

وأين إمام أهل السنة والْجماعة الإمام الممتحن أَعنًي ذاك الفَتَى الشَّيبانًي أَحمد بْن حَنبلً رحمه الله؟! الذي تناوب علَى تعذيبه ـ ظُلماً فًي السجون ـ» ثلاثةي من خلفاء بَنًي العباس، لًماذا لَم يطالب الْمُسلًمين بثورة إصلاحية، ولًماذا لَم يقم بتكوين حزبي ينُازًعُ الْمُستَبًدّينَ والْمُفسدينَ فًي سَبيلً نُصرةً الضعفاءً والْمظلومين، إن الإمام أحمد بن حنبل رغم التركة الكبيرة من العلوم الْمُختلفةً، وكثرة التلاميذ والأتباع، الذين كتبوا آثاره وطريقته ومنهجه، لَم يكتبوا حرفا يُرَوًّجُ لًهذا الإصلاح السًرًّي الْمُنهزم، وهو الإمام الذي عانَى الاضطهاد، بل إنَّ ما تعرض له» يكاد لَم يتعرض له أحدي فًي مكانته بعدَ جيلً الصحابةً رضي الله عنهم، وإن ما تعرض له من صنوف التعذيب والإهانة كفيل بأن يُخرج إنسانا يحمل فًي صدره حقداً على البلاد والعباد، ومع هذا كله خرج أحمد بن حنبل من سجنه» غَيْر حاقد على أمته يَحمل الشفقةَ والرحمةَ علَى أمة عانت ويلاتً الدخلاءً والْمُفسدين، وكانت نًهايةُ الدولةً العباسية بالتفرقً والتنازع علَى الْمُلك، وتسلل الأحزاب التًي تقطر قلوبَ أتباعها حقداً على العرب والْمُسلمين، حتى أصبحوا بطانةً للحكامً من بَنًي العباس» فَانْهارتً الدولةً العباسيةً على أيدي أعداء الإسلام، قال تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخًذُوا بًطَانَةً مًنْ دُونًكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنًتُّمْ قَدْ بَدَتً الْبَغْضَاءُ مًنْ أَفْوَاهًهًمْ وَمَا تُخْفًي صُدُورُهُمْ)»آل عمران: 118«.

هذا ما كان من فتك الأحزاب سراً، رغم التضييق عليها وإبعادها، فكيف إذا فُتًحت لَها الأبواب، ومُنحت الصلاحيات بالتحرك بُحرية بين الناس نَهاراً وجهارا، تقول ما تشاء وتفعل ما تريدُ وكل حزب من الأحزاب له برامًجه الْمُناهضة للأحزاب الأخرى، وهذا لعمري باب تنافسي وتطاحن وخلق للشقاق بين العباد، وتفرق ونفرة فًي القلوب والأجساد، وما عليك إلا النظر إلَى واقعك ومحيطك الْمَليء بالأحزاب، إن حياتَها كالأفاعي تضرب بأنياب حادة فًي جسد الحزب الآخر» تعيش سباقاً من أجل التفوق عليه، ولبسط سيطرته علَى العدد الأكبر من دهماء الناس، والْمجتمع أصبحَ فريسة وضحيةً نًهاباً للأحزاب يدفعها التعصُّب الأعمى والانتماء الْحزبًي الذي يقدم على الانتماء للدولة ولًجماعة الْمُسلمين، فالولاء للحزب مُقدم علَى الولاء للأمة الإسلامية، وفًي هذه الأحزاب البقاء للحزب وغيره فًي مهب الريح، والثبات للحزب ومصالًحه، والتغيير للدولة ومصالح العباد.

كُلي يؤيدُ حزبَـه وفريقه... ويرى وجودَ الآخرين فُضولا

وإًذا أرادَ اللّهُ أمراً لم تَجًدْ... لقضـائًه رَداً ولا تبديـلا

فيا عباد الله! من كان هذا عقله وتكوينه ونظره» فنسأل الله أَنْ يَحفظَ الْمسلمين مًن أعمالًهم التًي زُيًّنَتْ لَهم قال تعالَى:( فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ )»محمد: 8«.

عالَمُ اليومً ونظرةُ تأملي فًي واقع الأحزابً

إن نظرةً فًي عالَمً اليوم وواقع الناس» يرى أن الأحزابَ تفتك بالدول التي رأت فًي تكوين الأحزاب مشروعا إصلاحيا وماذا كانت النتائج؟ ذهبت أحلامهم سُدى، وقطفوا خيبةَ الأمل، وَخَلْفَ ذلك السراب» ضاعت كثير من مصالح الْمجتمعات والأمم، ولكنهم رغم نار الويلات والنكبات التي أحرقتهم» ما زالوا لا يعترفون بالْهزيًمةً، ويصدق عليهم قول الله تعالَى:(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنً السَّبًيلً فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ)»النمل : 24«.

إنًي أقول لأصحاب الأحزاب النائًمة ما قاله الشاعر:

إنًي أُعًيذكُم بالله من فًتَني ** مثلً الْجبال تَسَـامَى ثُمَّ تندفعُ

إنّ البريّة قد ملّت سياسَتكم ** فاستَمسًكوا بعمود الدّين وارتَدًعوا

لا تُلْحًمُنّ ذئابَ الناس أنْفُسَكم ** إنّ الذئاب إذا ما أُلْحًمَتْ رَتَعوا

لا تَبْقُرُنّ بأيديـكم بطونَكمُ ** فَثَمَّ لا فًدْيَـةي تُغْنًـي ولا جَزَع

والأحزاب لون من ألوان الْمُعارضة لنظام الْحُكم القائم، وعين الأحزاب وغايتها الوثوب على مقاليد الحكم، وهو الذي سَمّوه وعَبَّروا عنه:( باقتسام السلطةً )، ومتَى استقرت بلاد وعاش عباد، وَنَمت مصالح» في دولة أمرها مشاع بين الناس، وَرَوَى مُسلًم فًي صَحيحًهً (1844)، وَأَحمدُ فًي مُسنَدًهً (2/161) مًن حَديثً عَبدً اللهً بنً عَمْرو بْنً العاصً رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهً صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَايَعَ إًمَامًا فَأَعطاهُ صَفْقَةَ يدًهً وَثَمَرَةَ قلبًهً فَلْيُطًعْهُ مَا استطَاعَ، فَإًنْ جًاءَ آخَرُ يُنَازًعُهُ» فَاضْرًبُوا عُنُقَ الآخَرً). وإن الأحزاب تَملك سر القضاء على الأمم واستبدالًها مَتَى شاءت، وكيف شاءت، ولذلك دعوتهم قائمة على التعددية الحزبية واقتسام السلطة!!

وأخيراً نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولله الحمد أولا وآخر.


تاريخ النشر: الاثنين 17/9/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127