الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

عدم التمييز بين الغاية والوسيلة - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



عدم التمييز بين الغاية والوسيلة

اوجد اضطراباً في الاتجاهات والأحكام بين الناس

كتب:د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وبعد:

الغاية من الوجود هي ايجاد من يوحد الله على هذه الارض، وافراد الله بالعبادة، ونشر التوحيد والدعوة اليه، قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) الذاريات56، وقال: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) الروح30، وفي قوله: (الا ليعبدون)، اي الا ليوحدوني، ويدل عليه قوله: (وما امروا الا ليعبدوا الها واحداً لا اله الا هو سبحانه عما يشركون) التوبة.31




توحيد الله وعبادته هما الغاية من الوجود




فالغاية من الوجود هي عبادة الله وحده لاشريك له، لذلك الله سبحانه وتعالى ارسل الرسل، وانزل الكتب من اجل ان يعبد وحده لاشريك له، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل امة رسولاً ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل36، وقال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد، وامره ان يدعو الناس الى الصراط المستقيم (قل اغير الله اتخذ ولياً فاطر السموات والارض) الانعام14، وهو كقوله: (قل افغير الله تأمروني اعبد ايها الجاهلون) الزمر64، والمعنى لا اتخذ وليا الا الله وحده لاشريك له فإنه فاطر السموات والارض.


هل السيطرة على أنظمة الحكم غاية شرعية لنشر الإسلام؟


ان العمل على تأسيس الدول وجعل تكوينها هو الغاية امر مخالف لمراد الله عز وجل ومن اذهب العمر والاوقات، وجعل غايته الوصول الى المناصب في الدولة والمؤسسات معتقداً ان الدعوة الى الاسلام تبدأ من ايجاد الدولة وليس العكس، وهو ايجاد الافراد والعباد الموحدين لله سبحانه وتعالى، سواء تكونت على اثر ذلك دولة ام لم تتكون، فقد خالف المنهاج السليم في الدعوة الى الله. ومن قال بغير ذلك حكم على دعوة كثير من الانبياء والرسل بالفشل، فكم من العباد نجحوا في ايجاد عباداً موحدين ولم يؤسسوا دولاً ومؤسسات.

واليك ما ورد في البخاري (5752) ومسلم (220) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «عرضت علي الامم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه احد، ورأيت سواداً كثيراً سد الافق، فرجوت ان يكون امتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سواداً كثيراً سد الافق، فقيل لي: انظر هكذا، وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الافق، فقيل: هؤلاء امتك». فهل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ليس معه احد، اومعه الرجل، والنبي صلى الله عليه وسلم الذي معه الرجلان، قد فشلوا في الدعوة الى الله؟ انهم قد فشلوا على مذهب وطريقة البعض الذي لا يستند في دعوته الى كتاب الله او سنة صحيحة، ونترك لهم هذا التساؤل؟ هل الغاية التي خلقنا من اجلها هي ايجاد دولة مهما كان اعتقاد اهلها؟ موحدين ام مشركين! ام الغاية هي ايجاد عباد موحدين لله تعالى على الارض، رواه البخاري (3009)، ومسلم (2406) في صحيحيهما. من اخبار غزوة خيبر من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: «علي يارسول الله اقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم الى الاسلام، واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لان يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من ان يكون لك حمر النعم». وذكره البخاري في باب فضل من اسلم على يديه رجل.

ان تكوين الدولة ومؤسساتها ما هو الا وسيلة لحماية هذه الغاية السامية وهو التوحيد، وما قام من دول اسلامية الا للقيام بواجب حماية جناب التوحيد والحفاظ على مصالح الموحدين.


الجهاد شرع لحماية التوحيد والموحدين


الجهاد والقتال في سبيل الله بنوعيه، جهاد الطلب وجهاد الدفع، وسيلة فرضها الله لحماية الموحدين ولبسط التوحيد في الارض، واعلاء كلمة لا اله الا الله، لقوله تعالى: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)، التوبة40، قوله: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) هي الشرك بالله (وكلمة الله هي العليا) هي: لا اله الا الله، وقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) الانفال39، ففي قوله: (ويكون الدين كله لله) اي: ان يقال: لا اله الا الله، ويكون التوحيد خالصاً لله لاشرك فيه، وقال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين) البقرة 193، امر الله بقتال الكفار (حتى لا تكون فتنة) اي: شرك (ويكون الدين لله) اي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على باقي الملل والاديان. ومن الادلة من السنة ما رواه البخاري (7458)، ومسلم (1904) في صحيحيهما من حديث ابي موسى الاشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، اي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». وروى البخاري (1399)، ومسلم (21) في صحيحيهما من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم مني ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله».

لذلك الجهاد وسيلة (غاية لغيره) وليس غاية لذاته، حتى لا تختلط الاساليب السامية النبيلة، بأساليب القتلة من قطاع الطرق وغيرهم، لذا كان الواجب ان يعلم المسلمون ان حماية الشرك والقبور والاضرحة وكل ما يعبد من دون الله ليس جهاداً، بل هذه القبور وكل ما عبد من دون الله هو هدف مطلوب للجهاد متى ما امر الامام بقتالهم ان لم يدخلوا في التوحيد، لقوله: (وقاتلوا المشركين كافة) التوبة .36


لا جهاد من اجل ارض لا تقام فيها شعائر الله بل يرحل عنها


ان تحرير الارض ليس غاية بل ايجاد عباد موحدين لا يشركون مع الله شيئاً هو الغاية التي من اجلها خلق الله الانسان، والارض التي تفقد الغاية «التوحيد»، ولا ترفع فيها كلمة لا اله الا الله، ولا يسكنها موحدون، لا تملك اهمية عند المسلمين، ولا تتمتع بقدسية خاصة، لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الاوطان والاموال، وفر بدينه هو واصحابه، ولم يكن في يوم ما يستحث الناس لتحرير ارض مكة التي اخرج منها، وكان همه وهدفه صلى الله عليه وسلم جعل اهل مكة عباداً موحدين، وقد يكون ترك الارض مطلوباً شرعاً لقوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً) النساء 100، والمراغم: المتحول من ارض الى ارض، والسعة اي: سعة من الضلالة الى الهدى ومن الفقر الى الغنى، بل ذهب اهل العلم الى انه ليس لاحد المقام بأرض لا يستطيع اقامة شعائر الله فيها.


لذا ارض بلا توحيد لا قيمة لها بميزان الشرع


ونزيد هنا ذكر الشاهد من قصة الرجل الذي قتل مئة نفس واراد التوبة في ما رواه البخاري «3470»، ومسلم واللفظ له «2766» في صحيحيهما من حديث ابي سعيد الخدري قال: (ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق الى ارض كذا وكذا فإن بها اناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولاترجع الى ارضك فإنها ارض سوء فانطلق حتى اذا نصف الطريق اتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلاً بقلبه الى الله وقال ملائكة العذاب انه لم يعمل خيراً قط فآتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الارضين فإلى ايتهما كان ادنى فهو له فقاسوه فوجدوه ادنى الى الارض التي اراد فقبضته ملائكة الرحمة).

بل بلغ به الامر في ترك ارضه وموطنه ان حاول زحزحة جسده في اتجاه خير منها ففي رواية في الصحيحين: «فنأى بصدره ثم مات فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فكان الى القرية الصالحة اقرب منها بشبر فجعل من اهلها».

وتكون الارض وسيلة مطلوبة في حال كانت تتعلق بمصالح اهل التوحيد او لاعلاء كلمة التوحيد عليها، وللحديث بقية، والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر: الاثنين 24/7/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127