الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

دين الكتاب والسنة لا دين الآباء والمراجع والأحزاب - الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



دين الكتاب والسنة لا دين الآباء والمراجع والأحزاب

كتب:د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

إن التنبيه الذي جاء في كتاب الله على عدم متابعة الآباء والأجداد في المعتقدات والعبادات، تأصيل لمبدأ التجرد، وذم تقليد الآباء والأجداد والمشايخ والمراجع والأحزاب والمذاهب والطرق الصوفية، بل ترك الانقياد لأحد غير ما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيهما الإسلام بالصفاء والنقاء.

قال الله تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) (الزخرف: 22)، وفي قوله (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة)، أي: بل وجدنا آباءنا على دين وملة، وطريقة ومنهاج، وفي قوله (وإنا على آثارهم مهتدون)، يقول: وإنا على آثار آبائنا فيما كانوا عليه من منهج ومذهب مهتدون، والمعنى: أننا لهم متبعون، وهذا خلاف قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف: 158)، وقوله: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) (الأنعام: 155)، وقال تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) (الزخرف: 23)، قوله (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها) والمعنى: قال الزعماء والقادة ورؤوس الجهل فيهم: نحن لا نفارق ما عليه الآباء، نقتدي بمنهجهم في الأقوال والأفعال وعامة الناس والدهماء تبع لهم في ذلك إلا من رحم الله.

عبادة الله بالبراهين والحجج لا بالتقليد والانقياد الأعمى قال تعالى: (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 74)، قالوا ذلك في مقام الرد على إبراهيم عليه السلام فلم يجدوا أمام الحجج والبراهين حجة تقابل الحجة أو دليلا يسوقونه فلجأوا إلى التقليد، أي نتابع غيرنا في ديننا من غير بصر ولا بصيرة.

قال البغوي في تفسيره: فيه إبطال التقليد في الدين.أ.هـ .

وهذا ما نجده في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) (المائدة: 104)، وقوله: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) (البقرة: 170)، وقوله: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) (لقمان: 21)، (أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) أي: يقوم الشيطان على تزيين أعمالهم وهو كما في قوله: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) (النمل: 24)، زين أعمالهم رغم مخالفتها لنصوص الكتاب والسنة، وأن ما هم عليه من رأي ومنهاج عمل صالح، وهذه دعوة صريحة من الشيطان للتقليد وللأخذ من كل جهة عدا كلام الله وكلام رسوله،فإذا كانت متابعة الأب وهو أقرب الناس إليك التي رغب الشيطان إليها مذمومة شرعا، فكيف بتقليد في حال وموقع أبعد من الأب، كمرجع أو مركز أو شيخ أو حزب إلى غير ذلك من الأسماء من غير حجة ولا برهان بيّن.


إبطال التقليد في الدين


قال تعالى: (قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) (الزخرف: 24)، وفي هذا المعنى قوله تعالى: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) (المائدة: 77).

من استسلم لما عليه الآخرون بعد بيان الدليل وظهور الحجة، فهذا الفعل من جنس فعل المشركين الذين ردوا الحق ورفضوه بقولهم: (إنا بما أرسلتم به كافرون)، ولن ينفعه رد الحق بالتقليد، ولن ينفعه من قلده يوم القيامة، بل يتبرأ المقَلّدُ من المُقلًّدً، وتدبر قول الله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا) (سبأ: 33ـ31) وقال تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار) (البقرة:167ـ166).

قال ابن القيم في أول كتابه القيم (إعلام الموقعين): " ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون...." أ.هـ.

إن افتتان بعض الناس بالتعصب للأحزاب والمراجع والمذاهب واللهث خلف جماعات فأرقت جماعة المسلمين، ما هو إلا كالسراب، قال تعالى: (أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) (النور: 39)، والتاريخ خير شاهد، فلا تلتفوا إلى فتاوى العواطف، وفاقد الشيء لا يعطيه، أناس اتبعوا غيرهم على غير بصيرة، وتجمعات مفتقرة إلى الحجة والبرهان، فمن المتعذر أن ما يذيعونه ويشيعونه قائماً على الأدلة والبراهين والقواعد الشرعية، قال تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) (الحج: 3)،قال ابن كثير في تفسيره: وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء ولهذا قال في شأنهم وأشباههم (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) أي علم صحيح.أ.هـ ، وقال تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) (الحج: 8)، وما هذه الأسماء التي ذكرت آنفا إلا بناء بنيان يحتاج إلى دليل وبرهان على أصل قيامه، فكيف ننتظر أن يخرج من نوافذه وأبوابه فتاوى علمية عن التوحيد والجهاد وغيره، أصلها من كتاب الله وسنة رسوله عن التوحيد والجهاد وغيره.


مثال في التجرد لله


والبحث عن الحق ولو كان ثمنه مخالفة الأفاضل

وهذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد الفقهاء السبعة يقول: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، ويخالف عبد الله بن عمر وعمر بن الخطاب- رضي الله عنهما-، أباه وجده في بعض أحكام الحج، أبوه الذي تضرب به الأمثال في اتباع السنة واقتفاء الأثر، وجده أحد المبشرين بالجنة، وهما من أكثر الناس دعوة للتجرد واتباعا للحق، عرف سالم أن الحق ليس باتباع هوى أو تقليد أب، ولكنه بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما سواه، ولو كان من أقرب الناس، ذهب عبد الله بن عمر وعمر بن الخطابـ رضي الله عنهماـ إلى من رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب،والدليل ما رواه مالك في الموطأ (491) بسند صحيح عن ابن عمر يقول: قال عمر بن الخطابـ رضي الله عنهـ: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديا إن كان معه حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء و الطيب حتى يطوف بالبيت.

وخالفت عائشةـ رضي الله عنهاـ بأنه يحل كل شيء إلا النساء، لما رواه أحمد في مسنده (6/107): عن عمرو بن سالم بن عبد الله عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى قبل أن يزور البيت.

وحديث عائشة أصله رواه البخاري (1754)، ومسلم (1189)، في صحيحيهما، وروى ابن خزيمة في صحـيحه (4/303) عن عمرو بن دينار قال سمعت سالما يقول: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.

ونختم بما قال ابن القيم: رحمه اللهـ في مقدمة إعلام الموقعين: فتنة عمت فأعمت، ورمت القلوب فأصمت،ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا، ولما عمت بها البلية وعظمت بسببها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثرة على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.

فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية، شَمَّرَ إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين. أ.هـ.

والحمد لله رب العالمين


تاريخ النشر: الاثنين 21/8/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127