الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الغاية.. عالم بلا قيود يسمى (الوسطية!) الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



الغاية.. عالم بلا قيود يسمى (الوسطية!)


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

لا بد من معرفة الغاية في كل ميدان ومجال ومن ثمَّ تحديد وضبط الوسائل الموصلة إلى الغاية والهدف، فإن كانت الغاية سامية فلا بد وأن تكون الوسائل إليها نبيلة لا عيب يشوبها، فليس كل وسيلة أوصلت إلى الغاية يؤخذ بها ويُعملُ بها، وفي ميدان الإسلام اعلموا عباد الله أن الغاية الأسمى والأعظم هي «توحيد الله تعالى»، به حياة للقلوب، من أجله خُلقنا وفي سبيله نموت ونحيا.

وبمعرفة الغاية فقد كفينا مؤونة البحث عن الوسائل، فلا مؤتمرات ولا لجان ولا بحوث لتحديد الغايات والوسائل، فالأمر قد حسم منذ أربعة عشر قرنا، أيها المسلمون علينا بالاتجاه ناحية الوحي فهو الطريق المعصوم، والامتثال، والاتباع والعمل، ونودع المصطلحات وليعلموا أنه لا مجال للعبث بديننا تحت أي مسمى كان.


خير دينكم أيسره

وليس خير دينكم أوسطه


روى أحمد في مسنده [32/5ـ338/4] عن محجن الأسلميـ رضي الله عنهـ وفي المسند أيضا [479/3] عن الأعرابي الذي سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم أيسره».

ويفهم منه أنه ليس خير الدين وأفضله أوسطه (ما يسمى بدين الوسطية!!)، فهناك أمور شرعية أمر بها المشرع، الخير في أولها لا في أوسطها، وهناك مطالب شرعية، الخير في آخرها لا في أوسطها، لما رواه مسلم في صحيحه [440] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها».

وروى البخاري [6126]، ومسلم [2327] في صحيحيهما من حديث عائشةـ رضي الله عنهاـ أنها قالت: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وفي رواية «إلا اختار أيسرهما».

قال الحافظ في الفتح وغيره: «إلا أخذ أيسرهما» أي أسهلهما، «ما لم يكن» الأيسر «إثما» أي: مُفضيا للإثم «فإن كان» الأيسر «إثما كان أبعد الناس عنه» ويختار الأشد.

وفي رواية لأحمد في المسند [229/6] من حديث عائشة «ولا عُرض عليه أمران إلا أخذ بالذي هو أيسر إلا أن يكون إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه».

وبهذا الحديث استدل بعض الناس على الوسط، والتوسط و(الوسطية!)، ونقول: سنبين من الحديث دلالته ومعناه.

[1] أن الأمرين لا وسط بينهما ولا وسط لهما، فكيف يُستدل بالحديث على الوسطية المزعومة؟

فالأعداد واحد واثنان لا وسط بينهما، فعندما تسأل ما الوسط بين العدد واحد والعدد اثنين؟ الجواب: لا يوجد، وعندما يكون السؤال ما الوسط بين العدد واحد والعدد ثلاثة؟ سيكون الجواب: العدد اثنان وسط بين الواحد والثلاثة، فيكون وسطا بينهما، ولكن هذا لا يعني أنه حظي بالأفضلية عن الآخرين، وللتوضيح والبيان لم يكن في قرون الخير الثلاثة الأُول منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ذكري أن أوسطهم أفضلهم، بل الأول هو خيرهم وأفضلهم، فعليك أخي المسلم بالعهد الأول، كما رواه البخاري [2652]، ومسلم [2533] في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعودـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام، تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته».

[2] أمور الشرع لا تخيير فيها، ولا عرض فيها، حتى يعمل من شاء ويهمل من شاء، فيكون العبد غير ملزم بعمل.

[3] دين الإسلام والأمور الشرعية لا إثم فيها فترجح أن المراد التخيير بين أمور الدنيا والنبي صلى الله عليه وسلم يختار الأيسر من الأمرين ما لم يكن هذا الأمر مفضيا إلى محظور وموقع في الإثم.

[4] لذلك الحديث معناه يتفق مع الأمور الدنيوية.

[5] والتخيير في الأمور الدينية والشرعية متعلق بالقدرة والاستطاعة.


التخفيف والتيسير لا علاقة لهما

بالوسطية ومداره في الشرع على سبعة أسباب


فمن المعلوم أن التخفيف والتيسير في العبادات والمعاملات مدارها في الغالب على سبعة أسباب:

(الأول) السفر: ومن التيسير فيه قصر الصلاة والفطر والتيسير عليه في المسح، فينقل من حال يوم وليلة في الحضر إلى المسح أكثر من يوم وليلة في السفر، لقوله تعالى (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرةـ 185].

(الثاني) المرض: ومن التيسير فيه الترخيص بالتيمم عند مشقة استعمال الماء أو شحه.

(الثالث) الإكراه: قال تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [النحلـ 106]، وهذه الآية من أصول الشرع وقواعده عند الإكراه.

(الرابع) النسيان: ودليله ما رواه ابن ماجة [2045] وابن حبان في صحيحه [202/16] واللفظ له بسند صحيح من حديث ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقال الحاكم [216/2] هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه ووافقه الذهبي.

(الخامس) النقص: والنفوس تطلب الكمال وتحبه والنقص يخالف الكمال وهناك نوع من المشقة عند ناقص العقل والأهلية فناسبه التخفيف في التكليفات ولذا كان عدم تكليف الصبي والمجنون للدليل الذي رواه أحمد في مسنده [100/6] والدارمي في سننه [225/2] من حديث عائشةـ رضي الله عنهاـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل»، وقد قال حماد أيضا: وعن المعتوه حتى يعقل، وقال أبو عبد الله الحاكم [216/2] هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ومن ذلك عدم تكليف النساء في فترات الحيض والنفاس، فإنها حالة نقص لما رواه مسلم في صحيحه [79] من حديث عبد الله بن عمرـ رضي الله عنهماـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «.... وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن»، قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال:«أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين»، وروى البخاري [304] ومسلم [80] في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(السادس) العسر: وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة العسر لعباده، لقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرةـ 185]، وقوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) [النساءـ 28] وهذا تخفيف في التكاليف، وقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحجـ 78]، وقال(فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابنـ 116]، وفي الآيات البيان التام أن الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون، لأن تكليف العبد ما لا يطيقه وما لا يقدر عليه، من المشقة والعسر.

(السابع) الجهل: وبالجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي عنه فيعذر بجهله، لذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب حتى يرفع الجهل ويعرف الناس دينه ويُعلم الحق من الباطل، قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراءـ 15]، وفي هذا المعنى قوله (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [النساءـ 65]، وقال الشاعر:

وقالوا أما تخشى ذنوباً أتيتها

ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل

وفي خاتمة المقال نقول: إن التخفيف والتسهيل في التكاليف والتيسير على عباد الله بلا غلو ولا تقصير يكون بالاتباع والاقتداء والامتثال لما جاء عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يوما بترك النصوص الشرعية، والانفلات إلى عالم بلا قيود يسمى (الوسطية).

اللهم ارزقنا فقها في الدين، وثبتنا على طريق نبيك محمد الأمين صلى الله عليه وآله وسلم.




تاريخ النشر: الاثنين 25/9/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127