الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

مَكَانَـةُ الصَّحيحَيْن عند الأُمَّـة [1] الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                

مَكَانَـةُ الصَّحيحَيْن عند الأُمَّـة [1]

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

اعلم أخي القارئ أن مُحَمّداً بن إسماعيل البخاري، ومسلمَ بن الحجاج النيسابوري، من أعلام السنة المشهود لهم بالفضل والتقدم، ومن علماء الحديث، وأئمة الدين، الذين أطبق المتقدمون والمتأخر ون على أن لَهما، دراية واسعة في نقد الروايات والأحاديث، وعلى معرفة تامة بعلل الحديث وأحوال الرجال.

ومَنْ هُمَا البخاري ومسلم؟ إًنَّهما من حفاظ الدنيا.

قال ذلك مُحَمّد بن بشار شيخ البخاري ومسلم: قال أبو قريش 1: مُحَمّد بن جمعه بن خلف: سمعت بندارًا، مُحَمّد بن بشار يقول: حفاظ الدين أربعةي: أبو زرعة بالري، والدارمي بسمرقند، ومُحَمّد بن إسماعيل ببخارى، ومسلم بنيسابور.ا هـ وكلي من الحَافًظَيْنً أخذ جملة من الأحاديث الصحيحة، وأفرد لها مصنفًا خاصاً بالصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقم أحد منهما بحصر الصحيح في كتابه، ولم يقل أحد منهما، أن الصحيح وحده ما كان في كتابه، بل تركا الشيء الكثير من الحديث الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا يعني أن الحديث الذي ليس في الصَّحيحَيْن لا يحكم بضعفه بل يخضع لقواعد النقد عند المحدثين، فما توافرت فيه شروط الصحة، حكم عليه بالصحة، وما تخلف عنه شرط من شروط الصحة، حكم عليه بالضعف، وعدم العمل، والله الموفق.

مكانـة (الصَّحيحَيْن) عند الأمة ومراحل نقـد (الصحيح) لقد مرّ هذان الكتابان بمراحل عدة من مراحل النقد والتَّتَبُع منها:


مرحلة نقد الكتاب أثناء التصنيف:


لقد كانت هناك عناية تامة من البخاري ومسلم، في انتقاء الأحاديث التي أودعت في الكتابين، وفي وضع شروط خاصة وعالية في ضبط المتون والأسانيد، حتى لا يدون في الكتابين إلا ما كان صحيحاً، ولهذا انتشر الكتابان باسم الصحيح، (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، واشتهرا بالصَّحيحَيْن


مرحلة نقد الكتاب ما بعد التصنيف:


لقد كان نقد الكتابين ابتداء من المشايخ المعاصرين للإمامين، وما تلا ذلك من القرون مرورًا بأبي الحسن الدارقطْنًي، وأبي علي الغساني، وأبي مسعود الدمشقي، ومن بعدهم من أرباب وأئًمة هذا الشأن.

ومثاله عرض أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري كتابه (الصحيح) على سَيًّدً الحفاظ إمام الجرح والتعديل أبي زُرعة الرازي.

قال مكي بن عبدان (1): سمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا (المسند) على أبي زرعة، فكل ما أشار علي في هذا الكتاب أن له علة وسببا تركته، وكل ما قال: أنه صحيح ليس له علة، فهو الذي أخرجت .اهـ

فاستقر الأمر على قبول الكتابيْن، عدا أحرف يسيرة بيَّنَها العلماءُ، وقد تلقت الأمة هذين الكتابين بالقبول، وحصل لهما من الإجماع ما لَم يحصل لغيرهما من كتب الحديث.

وكانت لًهذين الكتابيْن مكانة عظيمة عند أهل السنة، فمن أتى بعد ذلك ناقدًا أو مستدركًا، فهو لا ينقد (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، بل ينقد ويستدرك على جموع العلماء، ويتَّهم مجموع الأمة بالخطأ.

لذا ينبغي أن تكون (للصَحيحَيْن) هيبة عند أهل السنة والجماعة، حتى لا يجرؤ غًمْري يُصَحًّحُ ويُضَعًّفُ أحاديثَ في صحيحي البخاري ومسلم، فيفتح باباً لأهل الأهواء والبدع، للنيل من دين هذه الأمة، فأهل البدع يستدلون بًغَمْزً جُهَّالً أهل السنة في كتب وعلماء السنة، وربما فُتًحَ بابُ شَرّي لكل من أراد أن يتكلم في رواية تخالف ما عليه المذهب والمشرب، فيعظم قول إمامه، ويطرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم، بًحُجَّةً النقد الحديثي.

إًنَّ الواجب على المسلمين في عصرنا، وفي كل عصر، الوقوف بقوة أمام أي محاولة للنيل من كتب السنة عامة، والصَّحيحَيْن خاصة؟

وإن كان ثمة تساهل أمام أيّ تطاول على (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، فلن يبقى لأهل السنة كتاب خاص بالحديث الصحيح يرجعون إليه، ولأصبح الناس في شك وتردد أمام مرويات السنة، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها فلا تسأل إن ظهرت وعلت رايات أهل الأهواء، ولا تعجب عندما ترى لدعاةً الرأي والفكرً شوكة.

إنه من المعلوم أن الله عز وجل حفظ لهذه الأمة دينها قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر:9].

وفي الأثر الْمشهور ( يحمـل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ). وصحح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم العلامـة الألبانيـ رحمه اللهـ في مشكاة المصـابيح (53/1)، وقد رُوًيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد مرسلة ومتصلة، وفي النفس من صحته شيء، لذلك يحتاج إلى مزيد بحث ليس هنا محل بيانه، ولم أهمل تصحيح الألبانيـ رحمه اللهـ فهو من جهابذة هذا العلم وفرسانه ولكنه كان ينهانا عن تقليده مشافهةً وكتابةً في غَيْرً ما مَوْضًعي من كُتُبًهً.

وقد هيأ الله سبحانه وتعالى أعلامًا، وضعوا ضوابط وقواعــد تضبط الراوي والمروي، فجعلوا الأمر وكأنه أسوار حديدية، لا يتجاوزها إلا ما كان مسنداً صحيحاً غير معل، ولا شاذ، ثابت النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ولا أذكر ذلك مبالغة بل هي عين الحقيقة جزاهم الله عنا خير الجزاء ـ حتى بلغت بهم القوة والمنعة في الذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم رصدوا ما يَهًمُ فيه الحافظ أو يُخطئ فيه الثقة، مع القبولً المطلقً لروايته.

وبلغ بهم الأمرُ أن من أراد أن يكون من حملة الآثار ويلج باب الرواية قد جعل من نفسه عُرضة للسؤال، عن حاله، ومولده، ووفاته، ومعرفة أخباره، ورفقته، وأصحابه، حتى خاصة أمره، وأصبح يدون عنه كل صغير وكبير في حياته، ليكون ضابطاً ومعياراً للحكم عليه، هل هو مأمون الجانب في حمل شرع الله؟ وأهل لنقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونذكر لك مثالا يُرًيكَ حياة القوم واهتمامهم بأمرً الحديث ورجاله:

ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (152/1) فًي ترجمة إبراهيم بن مُحَمّد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن بدر الفزاري، أبو إسحاق الكوفي: (قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقاً فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبًي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفاً حرفاً؟!) اهـ .

وانتشرت عمليات التفتيش والتنقيب عن أحوال الرجال من حيث الاعتقاد، والديانة، والورع، والصدق، والضبط، والحفظ، والإتقان، وإن الكلام في منهج النقد عند المحدثين وبيانه، باب واسع ليس هنا موضع البسط فيه.

وفي العدد القادم سنتناول بإذن الله «تلقي الأمة لصحيحي البخاري ومسلم بالقبول والصحة».


والحمد لله رب العالمين


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 6/11/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127