الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

المظاهرات عدو المصالح والإصلاح - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



المظاهرات عدو المصالح والإصلاح

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

إن النزول إلى الشوارع والتجمع في الأماكن العامة، وتسيير الحشود البشرية، ما هو إلا نوع تمرد على الدولة ونظامهاـ حقا كان النظام أو باطلاـ والخروج على جماعة المسلمين، مهما كان ذلك الشعار المحمول، فلا تغتر بلمعانه وبريقه، فالأمر أكبر والشر يقدم زاحفا.

وما في التجمهر والتظاهر من الفتن والفساد فإنما يُدرك بأدنى تفطن وتأمل فيما يشاهد من الأقوال والأفعال.

والمظاهرة معناها: المعونة والنصرة، قال تعالى: (ولم يظاهروا عليكم أحدا) [التوبةـ 4]، والمظاهرة: المعاونة، وقال تعالى (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [الإسراءـ 188]، أي: عونا ونصيرا.

وروى البخاري في صحيحه (4596، 7085) أن محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: قُطع على أهل المدينة بعثي فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم). الآية.

قال أهل العلم: (يكثرون سواد المشركين) جماعتهم أي مع أنهم لا يوافقونهم في قلوبهم كانوا ظالمين لأنهم أفادوهم قوة بوجودهم معهم. وذكر البخاري في موضعين منها: (كتاب الفتنـ باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم) وهذا من فقهه رحمه الله.

وقال الحافظ في الفتح: وفي هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأي الخوارج لأنه بالغ في النهي عن قتال المسلمين وتكثير سواد من يقاتلهم، وغرض عكرمة أن الله ذمّ من كثّر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، وقال: فكذلك أنت، لا تكثر سواد هذا الجيش، وإن كنت لا تريد موافقتهم. أ هــ

كيف نشأت ولماذا نشأت ومتى نشأت؟

كيف ولماذا؟ سببه الأول العصيان البشري لأنظمة المكان الذي يعيش فيه، والموطن والبلد الذي يقطن فيه، سواء كان الحق له أو عليه.

متى نشأت؟ وباختصار حول نشأتها:

أولاً: في التاريخ الإسلامي نجد فرقة الخوارج هم أول من أظهر هذه الفتنة، فخرجوا على ولاة الأمر وأمراء المسلمين، ولا يخفى ذاك التجمع والتجمهر حول بيت عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ثالث الخلفاء الراشدين المهديين، والذي انتهى بقتله، وبدأت الفتن تتابع في بلاد المسلمين.

ثانيا: في التاريخ الغربي نجد أن شعار الديموقراطية الذي أعلنوه منهجا إصلاحيا، وسعوا إلى تصديره في كل أنحاء المعمورة، يفاجئهم ويقلقهم بالشغب الديموقراطي، فالمظاهرة والعصيان المدني عندهم هما من الحريات التي كفلها شعار الديموقراطية، وما زالت هذه الدول تعاني ويلات الانقلابات الديموقراطية، التي جعلت الدولة غير مستقرة دائمة التغيير، كل يوم هي في حال، ونظام التشريع يتبدل ويتقلب، كتقلب الليل والنهار، فكيف تستقر للناس مصالح، وكيف السبيل إلى بيئة وعالم توجد فيه الطمأنينة والهدوء والراحة، وهذا ما ينشده الناس من كل تشريع.

ملاحظة: اصطلاح الديموقراطية لفظ مجمل قد يحمل معاني نافعة وقد يحمل معاني ضارة، لذا لا نقبله كله ولا نرده كله، بل نطلب التفصيل في لفظه ومعانيه، فما وافق الكتاب والسنة أخذنا به، وما خالف ما جاء من عند الله رددناه، وما تعرض لأمور إدارية وتنظيمية من غير مخالفات شرعية، فالأمر لواضع النظام أن يأخذ ما يناسب مصالح الرعية.

المظاهرة ضياع لمصالح الأمة

إن المظاهرات من الفساد في الأرض لما فيها من:

1ـ نزع هيبة الدولة والنظام عند مواطنيها.

2ـ بث الشعور الخاطئ بين الدول المحيطة بذلك التجمهر والتشهير بأن نظام الحكم غير مرضي عنه.

3ـ في المتظاهرين من هو حسن النية، وإن كان التظاهر عمل غير صالح من أصله، ولكنه يفتح مجالا للدخلاء بين الصفوف والقيام بإطلاق بعض العبارات المسمومة التي توغر الصدور، وفي ذلك شق لصف المسلمين، قال تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) [التوبةـ 47]، ومن يضمن عدم إطلاق رصاصة أو قذيفة في الاتجاه الآخر أو في الهواء، ليدفع بالفريقين إلى مقتلة ومذبحة، وكم قرأنا وسمعنا الكثير من ذلك مما لا يستطيع أن يرفضه عقل صحيح، والرصاصة إذا انطلقت لن يوقفها أحد وستبلغ مداها، وتترك أثرها، ولا نملك إلا علاج الأثر، هذا إذا تمكنا من ذلك.

4ـ تحريك شهوة النفس الشريرة الداخلية لمحاولة الوثوب على النظام الحاكم، والإطاحة به، عندما يرون البعض من الشعب يتجرأ على النظام، ولا تتخذ الدولة إجراء حازما يوقف ويمنع تكرار هذه الفتن، ومشاهد التاريخ القديم والمعاصر تخبرنا عن ذلك.

5ـ إثارة الشهية لبعث الشرور الخارجية، لابتلاع الدولة التي لا تستطيع إخماد فتن الداخل.

والفتن أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، روى البخاري (3602) ومسلم (2886) في صحيحيهما من حديث أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يُشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به»، وأثر عن السلف الابتعاد عن مواقع الفتن.

وروى عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح (450/11) عن طاووس قال: لما وقعت فتنة عثمان قال رجل لأهله أوثقوني بالحديد فإني مجنون، فلما قُتل عثمان قال: خلوا عني فالحمد لله الذي شفاني من الجنون وعافاني من قتل عثمان.

في الطاعة والصبر

العلاج والحل

قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) [المائدةـ 2]، وقال تعالى (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصرـ 3].

والمظاهرة خروج عن الطاعة لذا أمرنا بالطاعة والصبر، روى البخاري (3792) ومسلم (1845) في صحيحيهما من حديث أسيد بن حضيرـ رضي الله عنهـ أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ قال: «ستلقون بعدة أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».

وروى البخاري (3603) ومسلم (1843) في صحيحيهما من حديث ابن مسعودـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أثرة وأمور تنكرونها»، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم».

عصمنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 27/11/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127