الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

حرية الرأي ... وحق إبليس في الوجود - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



حرية الرأي ... وحق إبليس في الوجود

خلق الله إبليس وأوجده، وَإًرَادَةً وُجُودًهً عَلَى الأَرضً إًرَادَة قَدَرًيَّة كَونًيَّة، وَعندما خلق الله آدم، أَمَرَ الملائًكَةَ وَإًبْليسَ أَن يسجدوا لآدم، قال تعالَى:(ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين)[ الأعراف: 11]، وقال: (وإذ قال ربك للملائكة إًنًي خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أَبَى أن يكون مع الساجدين)[الحجر:28-31].


أَوَّلُ مُطالَبي بًحُرًّيَةً الرَّأْيً وَالاعْتًقاَدً


فأعلن إبليس عصيانه وخروجه عن طاعة الله، لًيَصْرَخَ مُعْلناً أَوَّلَ مُطالَبَة بًالْحُريةً- حُرًّيَةً الرَّأْيً وَالْمُعْتَقَدً - كَمَا فًي قَوْلًهً تعالَى علَى لسان إبليس: (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خَيْري منه خلقتني من نار وخلقته من طين)[الأعراف: 12]، وَفًي قوله: (قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين قَالَ لَم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) [الحجر:32-33].


مَنْ يُضَلًّلُ إًبليسَ

لا يُؤْمًنُ بًالرَّأيً وَالرَّأْيً الآخَرً !

إن إبليس موجود، وله آراء ومعتقدات ودعوة قائمة، يُمارس دعوته عَبْرَ مسَاحةً الْحريةً الْمَمْنوحَةً للجميع، وَمَنْ الذي يَستَطًيعُ أَنْ يُصَادًرَ حَقَّهُ فًي الوُجُودً، وَقَوْلً كُلًّ مَا يُريد ؟! ويرى إبليس أن من يتكلم فًي شَأَنًهً ومذهبهً وطريقتهً، أُصولًيّي مُتَشدًّد لا يُؤْمًنُ بًالرَّأيً وَالرَّأْيً الآخَرً، بل هُوَ يَسْعَى لإًقْصَائًهً وَمُصَادَرَةً الرَّأْيً الآخَرً .


رائد دعوة الزلل والانحراف


بدأ بإطلاق دعوته الضالة بوسائله المختلفة علَى أول مجتمع إنسانًي، ذَاكَ الْمُجتمعُ الْمُكونُ آنذاكَ مًنْ آدم عليه السلام وزوجه حواء، داعيا إلَى هوايته في الإغواء من أجل الإيقاع فًي الزلل وَالْخَطَلً، كما فًي قوله تَعَالَى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فَأَزَلَّهُما الشيطان عنها فأخرجهما مًمَّا كانا فيه) [البقرة: 35-36]، وإن كل الدعوات المنحرفة عن الصراط المستقيم، والطريق القويم، التي تُعْلًنُ تَمردها عن الحق، وعدم قبوله، والمطالبة بعدم مصادرة رأيها، بل ترى فًي فترات ظهور الْحق وانتشاره مصادرةً لًمُعتقداتًها الباطلة، وتطالب أن يكون لَها حَقي فًي الوجود، وَأَنْ تُمنحَ مساحةً مًنَ الْحُريةً عن طريق الوسائل الإعلامية المختلفة، طمعاً فًي نشر ما عندها من باطل، كل هذه الدعوات: تسير علَى خطى القطب الأكبر، والمرجع الأول رائد دعوة الانحراف ومنظرها. وعندما يُفتح باب الشر والضلال» تصبح العقول البشرية جزءاً من الْخرافة، وَهكذا ينحرف الناس عامة والْمسلمون خاصة عن ما اختاره الله لَهم من الدين القيم، قال تعالَى:(فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لًخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم: 29-30]، والدين القيم هو دين الإسلام الصحيح القائم علَى أصولي وأدلةي وَبَراهًيْنَ» ثَبَاتُها كثبات الجبال الرواسي، دين الإسلام النقي الصافًي» الذي لا يقوم علَى الخيال والخراب، والفكر وسراب العقول وآرائها، ولَم تداخله الشوائب والْخرافات .


إبليس مُجَدًّدُ أَمْجَادً المنحرفين


وإن الخذلان بالاستماع والإًتًّبَاعً لَهذه الطوائف علَى اختلافها وتصديق ما يقول أتباعها» ما هو إلاَّ تعاون معلن أو غير معلن بين هذه الطوائف وإبليس، بل هو اتًّبَاعُ الزَّوَايَا وَالْخَلَواتً والْمَرْجًعًيَّات لًخطواتً الشيطان، قال تعالَى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)[الأنعام:121]، وقال تعالَى:(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد)[الحج: 3]، فالمصالح مشتركة، والأمور تذهب إلَى هدفي واحد» ويعمل إبليس علَى استخدام كل الوسائل باسم هذه الفرق والنحل المنحرفة، التي اتخذت من الإسلام شعارا» مُعَبًّراً عَنْهُ بقوله: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)[الأعراف: 17]، وكان له وَلَهم ما أراد، قال تَعَالَى: (فزين لَهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم)[النحل: 63] .


لا تقديس لذات النبوة


وَلَم تُمنح الأُلوهيةُ والقَدَاسَةُ لأُسْرَة خَاصَّة

والغاية الَّتًي يريدون» أن لا يعبد الله بًما شرع» علَى الوجه الذي جاء به رسول الله صلَى الله عليه وسلم، وما عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلَى يوم الدين، فَلَم يُغَيًّروا عَقيدةً أو يُحَرًّفُوا شَريعةً أَو يُقَدًّسوا أحدا، وَلَم يقدس نبي الله صلى الله عليه وسلم - وهو الأسوة والقدوة - أحداً كائنا من كان، قال تعالَى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)[الإسراء: 23]، وبدأ بنفسه فَنَهى عن الغلو فيه وتقديس ذاته، قال تعالَى: (قُل لا أقول لكم عندي خزائنُ اللهً ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقول لكم إًنًّي مَلَكي إًنْ أَتَّبًعُ إًلاَّ مَا يوحَى إًلَيَّ) [الأنعام:50]. وروى البخاري(3445) فًي صحيحه عَنْ ابْنً عَبَّاس سَمًعَ عُمَرَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمًنْبَرً: سَمًعْتُ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تُطْرُونًي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإًنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهً وَرَسُولُهُ» . وروى البخاري (1330)، ومسلم(529) فًي صَحيحيهما عَنْ عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ فًي مَرَضًهً الَّذًي مَاتَ فًيهً: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبًيَائًهًمْ مَساجًد» .


أَوَّلُ مُعارض فًي التاريخ


أول من صرخ معارضا لًمنظومة الْحياة ولًما عليه واقعه، لأمر الله ولًما عليه أمر المخلوقات آنذاك» هو إبليس الذي خرج عن صمته ليبديَ رأيه، معلناً اعتراضه التاريخًيًّ، فَتَمَرَّدَ بالعملً، فقال تعالَى:(إن الشيطان كان للرحمن عصيا)[مريم: 44]، ولقوله تعالَى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أَبَى أن يكون مع الساجدين)[الحجر:30-31]، وذهب يجادل فًي أمر الله له بالسجود، معترضاً، فَعَارضَ بالقولً» لقوله تعالَى: (قال أنا خَيْر منه)، وَقوله:(قَالَ لَم أكن لأسجد لبشر)، فهل هو القُدْوَةُ الأَوَّلُ للمُعارضةً ؟! وهل الشيطان هو صاحب الطريقة والمؤسس لنظرية المعارضة ؟ بالاعتراض علَى الْحق ونشر دين الخرافة والضلالات، وإطلاق الزَّئًير والصيحات لضياع مصالًح الأُمَمً وَالْمُجْتَمَعاتً.


من هو زعيم الأغلبية ... !!


وبالنظر فًي واقعنا اليوم» من انتشار للباطلً وَأَهْلًهً، وما نراه من تشويهي للإسلام» وعبادة والأولياءً من دون الله، بل إن ما نراه من قيام دولي وأحزابي وأقطاب تعمل علَى تشويه الإسلام» يجعلنا ندرك إدراكا جازماً، ذَلًكَ السًّرُّ فًي تَرَبُّعً إًبليس الْمطلق علَى عرش الأغلبية، قال تعالَى:(قَالَ رَبًّ بًماَ أغويتني لأُزَيًّنَنَّ لَهم فًي الأرض ولأغوينهم أَجْمَعين إلا عبادك منهم الْمُخلصين)[الحجر:39-40]، بعد قرار إبليس بالرفض والعصيان والتمرد، وقف يحشد المعارضة وذهب يدعو لاستمالة أكبر قدر من البشرية، والاستيلاء علَى الفرق والطوائف واحتوائها فًي الزوايا والخلوات، قال تعالَى:(قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا)[الإسراء: 62]، وقال تعالَى: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)[الأعراف: 17]، وإليك الأدلة من كلام الله تعالَى بتصديق ذلك، قال تعالَى: (وقليل من عبادي الشكور)[سبأ: 13]، وقال تعالَى: (ذلك من فضل الله علينا وعلَى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)[يوسف: 38]، وقال تعالَى: (ولكن أكثر النـاس لا يعلمون)[الروم: 30]، وقال تعالَى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)[الأنعام: 116]، وقال تعالَى: (إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)[هود: 17]، وقال تعالَى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)[يوسف: 103]، وقال تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين)[سبأ: 20].

وهذا من صمت القلم والحمد لله أولا وآخرا.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 29/1/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127