الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الْمُحَافَظَـةُ عَلَى الْهَوًيَّـةً وَبًنَـاءُ الشَّخْصيَّةً - الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



الْمُحَافَظَـةُ عَلَى الْهَوًيَّـةً وَبًنَـاءُ الشَّخْصيَّةً

إنَّ بناءَ الذاتً والاعتزازً بًها مًنْ أَهَمًّ مُقَوماتً بَعْثً الأُمَمً والْحضارات، فلكلًّ حَضارة لُغَة، ومُعْتَقَدَات، وَأَعْرافي، وَأَعْياد، وَتَقاليد خَاصَّة بًها، وعلى قَدرً التمَسُّكً بًهَا» والثباتً عَلَى استمرارً وجودًها» تكون هذه الْحضارةُ قد فرضت لًلَونًها وجوداً بَيْنَ الْحضاراتً، وعلى قدر ما تَملك مًنْ مُقَوًّماتً التَّمَيُّزً» وَسُبل النجاحً، تكون أقرب لإغراءً النفوسً، وَمُخاطبةً العقولً الصحيحةً، وَأَنَّها مَلاذي للبَشَرً، وَنباتي للشَّجَرً، وَسكوني لًلْحَجَرً.


الْحَفـاظُ عَلَى الْهَويَّـةً ظَاهًراً


أولا: اللُّغَةُ العَرَبًية هَويَّةُ الأُمَّةً

وَالْمُحافظة على الْهوية الْخارجية هو بالْمحافظةً عَلَى اللسان والبيان، فاللغة العربية هًي إحدى اللغات السائدة فًي زمن ما قبل الرًّسالةً الْمُحمدية، ثُمَّ نَزَلَ الوَحْيُ بًلسانً سَيًّدً وَلَدً آدَمَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَليهً وسلَّم، فقال تَعالَى: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عَربًي مُبًيْن )[الشعراء: 192- 195]، وَقَالَ تَعَالَى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) [يوسف: 2]، وتقرر للعالَم كُلًّهً: أَنَّ دًينَهُ الإسلامُ، فالدينُ وَاحًدي، لقوله تعالَى: (إن الدين عند الله الإسلام ) [آل عمران: 19]، وَكًتَابَهُ القرآنُ، فالكتابُ وَاحًدي، قال تعالَى:(وأوحي إًلَيَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام: 19 ]، وُبُعًثَ مُحَمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلم للناس كافةً، فالنَّبًيُّ الْمُرْسَلُ واحد، قال تَعالَى: ( وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولَها )[الشورى:7]، وَقَالَ: ( قل يا أيها الناس إًنًي رسول الله إليكم جميعا )[ الأعراف: 158]، قَالَ أَبو جَعْفَر الطَّبَرًيًّ فًي تَفسيرًهً جَامًعً البَيَانً: ( قل ) يا مُحَمدُ! للناسً كُلًّهم، ( إًنًي رَسولُ اللهً إًليكم جمًيعاً )، لا إًلَى بَعضًكُم دُونَ بَعضي ،كَمَا كَانَ مَنْ قَبْلًي مًنَ الرُّسُلً» مُرْسَلاً إًلَى بَعضً الناسً دونَ بَعضي، فَمنْ كان مًنهُم أُرْسًلَ كذلكَ» فَإًنَّ رًسَالَتًي لَيسَتْ إًلَى بَعْضًكُمْ دُونَ بَعْض، وَلكًنَّهَا إًلَى جَمًيعًكُم.اهـ.

وَلًذَا رَوَى البُخَارًيُّ (438) وَمُسْلًمي (521) فًي صَحًيْحَيْهًمَا مًنْ حَدًيثً جَابًرً بْنً عَبْدً اللهً رَضًيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّم: « وَبُعًثْتُ إًلَى النَّاسً كَافَةً»، فكان بًهذا الدين وهذا الكتاب وهذا النَّبًي، أَنْ نُقًلَتْ اللغةُ العَربيةُ مًنَ الإًقْلًيمًيَّةً إلَى العَالَمًيَّةً، فأصبحت عَلامَةً بارزةَ للحضارةً العربيةً والإسلاميةً، فكلما رأيتَ العربيةَ رَمزاً لًلعًزًّ والفَخْرً فًي كُلًّ مَيدان، فاعلمْ أَنَّ حَالَ أُمَّةً الإسلام بًخَيْر. ولكي نحافظ عليها ونصونَها علنيا ببعض الأمور منها:.

(1): عدم الاستجابة للدعوات التى نسمعها من دعاة تفكيك الأمة، تنطلق بَيْنَ الفَينَةً وَالأُخْرَى، تُنَادًي بًإًحْياءً اللهجاتً الْمَحَليةً، وَجَعْلهَا بَدًيلاً لًلُغَةً القُرآن.

(2): وَيَجًبُ أن يزداد الاهتمام بتعليم أبنائنا لغتهم، حتى نرى أجيالاً تُمَثًّلُ الْهويةً.

(3): وأن نعتني بًها، ونَحرص على نشرها.

(4): التَّرْكُ وَالتَّخَلي عَنْ التَّحَدُّثً باللغاتً وَاللَّهَجَاتً الدَّخيلةً أو التَّحَدُّثً بًبَعضً مُفْرَدَاتًها ـ على قدر الاستطاعة - وَالتًى أصبح البعض يعتقد أَنَّها جُزْءي مًنَ اللغَةً الأم. ويُستثنَى من ذلك ما دعت إليه الْحاجةُ، وفرضته الضرورةُ، وكل هذا يُقدَّرُ بًقدرًهً، من أجل حًمايةً الْهَويةً.

ثانيا: الأَعْيَادُ وَالسُّلوكُ وَالعَادَاتُ هَوًيَّة

إن الشعوبَ لَها عادات وتقاليد تَهتم بًها، ولكل حضارة أعياد، وَمَحافًل تَجمعُهَا، وتَحرصُ الْحضارةُ عليها، لأَنَّها تُبْقًي علَى هَويَّتًها بَيْنَ الأُمَمً، وَ هًي عُنْصر مهم فًي توحدًها وتَماسُكًها، فلا تتفلت شعوبُها وتتشتت، فعندما يتَمَزّيق ثَوبُ الْهَويَّةً، تقعُ الْمَأْساةُ، ويكون الأفراد والشعوب عُرضةً للتَّأَثُّرً بالْحضاراتً الْمُجَاورةً. ولذا جاء مًنْ طَرًيقً أَنَسي رَضًيَ اللهُ عَنْهُ فًي صَحًيحً مُسلًمي (302) عن اليهود: (فَقَالُوا: مَا يُرًيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مًنْ أَمْرًنَا شَيْئًا إًلا خَالَفَنَا فًيهً). وكذلك حَثَّ الشارعُ علَى التَّمَيُّزً وَعَدَمً ذَوَبَانً الْهويةً، كَمَا رَوَى البُخَارًيُّ (952)، وَمُسْلًم (892) فًي صَحًيْحَيْهًمَا مًنْ حَدًيثً عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْري! إًنَّ لًكُلًّ قَوْمي عًيدًا وَهَذَا عًيدُنَا». فكما أَنَّ لًلأُمَمً أَعْياد وَعَادَات خَاصَة بًها، كما فًي قوله: «إًنَّ لًكُلًّ قَوْمي عًيدًا»، وَجَبَ عَلَى أُمَّةً الإًسلامً التَّمَيُّزُ عَنً الْحَضَاراتً والطوائَفَ، بًالأَعيادً وَمَواسًمَ الفَرَحً والسُّرورً لقولًهً: «وَهَذَا عًيدُنَا»، قال شيخ الإسلام فًي كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم »: قَوْلُهُ: «إًنَّ لًكُلًّ قَوم عًيداً، وَهَذَا عًيدُنَا»، فإن هذا يُوجًبُ اختصاصَ كل قوم بًعيدًهم، كما أَنَّهُ سُبحانَهُ لَمَّا قَالَ: (ولكل وجهة هو موليها)، وقال: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلكَ أَنَّ اللامَ تُورثُ الاختصاصُ فإذا كان لليهودً عًيد» وللنصارى عًيد» كانوا مُختصيْنَ بًهً، فَلا نُشركهم فيه، كما لا نُشركهم فًي قًبلتهم وَشًرعتهم.اهـ

الْمُخَالَفَةُ وَالتَّمَيزُ

حتَّى لا تذوبُ هَوًيَّتُنَا فًي هَوًية أُخرَى

قلت: وهَذا عَيْنُ الْحفاظً عَلَى الْهَوًيةً، وَرَسْمُ طًريق خاص لًهذه الأمةً بَيْنَ الطُّرُقً، فرَوَى البُخَارًيُّ (5892) وَمُسْلًم (259) فًي صَحًيْحَيْهًمَا مًنْ حَدًيثً ابْنً عُمَرَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «خَالًفُوا الْمُشْرًكًيْنَ». وَرَوَى مُسْلًمي (260) فًي صَحًيْحَهً مًنْ حَدًيثً أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «خَالًفُوا الْمَجُوسَ». فكان دوما يُبعًدُ أَصحَابُهُ عَنْ مَظَاهًرً الآخَرًين التًي هًي ميزة لَهم، ويُنَبه علَى مُخالفتهم، وعدم متابعتهم، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاودَ فًي سُنَنًه بًسَند صَحيح (3313) مًنْ حَدًيثً ثَابًتُ بْنُ الضَّحَّاكً رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: نَذَرَ رَجُلي عَلَى عَهْدً رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، أَنْ يَنْحَرَ إًبًلا بًبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إًنًّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إًبًلاً بًبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «هَلْ كَانَ فًيهَا وَثَن مًنْ أَوْثَانً الْجَاهًلًيَّةً يُعْبَدُ؟»، قَالُوا: لا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فًيهَا عًيد مًنْ أَعْيَادًهًمْ؟»، قَالُوا: لا، قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «أَوْفً بًنَذْرًكَ، فَإًنَّهُ لا وَفَاءَ لًنَذْر فًي مَعْصًيَةً اللَّهً، وَلا فًيمَا لا يَمْلًكُ ابْنُ آدَمَ».

ثالثا: بَعْضُ اللبَاسً رَمْز وَعَلامَةُ شَخصية.

يُلاحَظُ أَنَّ لًكُلًّ بلد أو إقليم أو منطقة لباس خاص بأهلها، وفًي بعضها يكون جُزء مًنَ اللباسً علامةً فارًقَةً تَرْمُزُ إلَى بلده أو دينه ومعتقده، وَإًنه مًنَ الْمُحزنً أَنَّ بَعْضَ الْمُسلًميْن وَصلَ بًهم الأَمْرُ إلَى الاستًهانَةً بًزَيًّهً وَلبَاسًهً، الذي يُحددُ هويته، ويرمزُ إلَى مَوقًعَهُ الْجُغْرَافًي أَحْيَاناً، وَغَرَّهُ التطورَ الْحضاريًّ فًي الْمجال الدنيوي فًي بعض البلاد، فسارع إلَى خلع لباسه، ولبس لباس القوم إعجاباً، واعتقاداً أَنَّ السًرَّ فًي مَا هُمْ عَليهً مًنْ تَطَوري فًي الصناعةً وَ العلومً الدُّنيوية، هُوَ فًي نسيج اللباس، وليس فًي خلايا العقولً. ثُمَّ لًماذا نُشاهًدُ بَعضَ الطوائًفً تُحافًظُ علَى زيّ مُعَيَّن؟، كَمَا نَرَاه فًي طائًفَةً السًّيخً مثلاً، فَإًنَّ الكَثيْرَ مًنْ أَتباعً هَذًهً الطائًفَةً يُلازًمُ رَأْسُهُ لباساً خاصاً، لا يضعه عَنْ رَأسًهً، مَهمَا كانت الْمًهنَةُ أو الْمَكانُ، وَمثالاً: نَرَى الشُّرَطَ وَالعَسَاكًرَ مًنهم لا يَخلعون هذا اللباس، لًماذا؟! إًنَّها الْهَويةُ... إًنَّها الرمزُ للديانةً وَالْمُعتقدً...إًنَّهُ التَّحديُ الناطقُ..يَقَولُ: هَوًيَّتًي لَنْ تَذوب !!


الْحفاظُ عَلَى الْهَويةً بَاطًناً


أولا: سَلامَةُ الْمُعْتَقَدً وَصحَّتُهُ

ولإصلاح الباطن يَجبُ تَعَاهدُه بالنصحً للهً تعالَى، وذلك بالْمحافظة على العقيدة الصحيحة، وتوحيد الله وأفراده بالعبودية، فلا معبود بحقي سًواه، ولا طريق لطاعَتهً إًلا بًاتًّباعً نَبًيه، صلى الله عليه وسلم، فَما كان من نتيجَةيي إلا أَنْ تَمَيَّزَتْ هذًهً الأُمةُ عَنْ بَاقًي الأُمَمً والدياناتً والْمًلَلً وَالطَّوائًفَ، بًتَوحًيدً الوَاحًدً الأَحَدً الفَردً الصَّمَد، قَالَ تَعالَى: ( قل إًنَّنًي هداني ربًي إلَى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتًي ونسكي ومحياي ومَماتًي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )[الأنعام: 161-163].

وانفردت أمة الإسلام من بين الأمم بسمو الاعتقاد، واحترام العقل، فهي أمة بلا خرافات، فاحترمت العقل، أمة أنكرت الْخُزَعْبَلات، فلم تكن ضحية للأضرحة وبيوت الأموات، فأعلت من شأن العقل، أمة لَم تُقًر شعوذة ولا سحرا» فسمت بالعقل.

ثانيا: التَّلازُمُ بَينَ الظاهًرً وَالبَاطًنً

لا يُمْكًنُ بًحال الفَصْلُ بَيْنً الداخلً وَالْخَارًجً، وَالبَاطًنُ وَالظاَهًرُ، بل إن ما نراه مًنْ أنواعً السلوك والمظاهر، والصفات الْخارجية، لاينفك أبداً عما يدور فًي العقل واحتواه الذهن، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بًما استقر فًي الفؤادً واعتقده القلب، لذلك علَى قدر ما نَرَى مًنْ تَمَسُّك بًشعائًرً الإسلامً وَمَظاهرًهً، نَعلَمُ أَنَّهُ نباتي قَد ضُرًبَتْ عُروقُهُ فًي الباطًنً، وَكُلّمَا تُسَقى هذهً العروقُ التًي لا تُرَى، لا مَحالةَ يَوماً سَوفَ نَرَى عَلَى الأَرْضً ظَاهًراً لًلنَّاسً» ما يُعَبًّرُ عَنْ هَوًيَّة مَفْقُودَة أَوْ مَوجُودَة.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 5/3/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127