الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

جُرأةُ الدكتور عَلَى الإًسلامً وَقَلْبُ الأَحَادًيثً (2) د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



جُرأةُ الدكتور عَلَى الإًسلامً وَقَلْبُ الأَحَادًيثً (2)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فقد ذكرنا فيما سبق أن هناك بعضاً ممن مُكّنَ من التعليم النظامي- والذي يتعين على المتعلم حضور الدرس دفعاً لمفسدة أكبر- قام بالتعدي على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب مغامراً بلا خوف من الله، يُجاهر بكل جرأةي فيُصحح من الحديث كيف شاء ويُضعًّف متى شاء، ولقد ذكرنا بما نقله الذهبي في تاريخ الإسلام، أن الحافظ ابن ناصر الدين قال لما دفنوا أبا عامر العبدري: خلا لك الجو فبيضي واصفري، مات أبو عامر حافظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن شاء فليقل ما شاء أ.هــ

وذهب ذلك المغامر معتقداً، هو ومن خلفه، أنه بتطاوله على الأحاديث والسنة النبوية، لن يجد من يتعقبه، بعد رحيل أسد السنة وناصر الدين، ذاك النجم الذي هوى، وما زال نوره في السماء، أعني شيخ المحدثين الألباني، إن جُموع هؤلاء تعتقد أن الجو قد خلا لهم، ولن يقف أهل السنة وأصحاب الحديث على عبث هذه الفرق والطوائف التي تقوم على تشويه الإسلام ولن يجد أهل الحق من يردّ على ذلك المتعالم بضاعته التالفة، كاشفاً عوارَ طائفته، وما تُروّج له بين الناس، ومُظهراً زيف كلامه للقراء وعوام المسلمين، وكأني أرى فيهم قول طَرفة:


يا لك من قُبَّرة بمعمرً

خلا لك الجوُّ فبيضي واصْفًرًي

قد رُفع الفخُّ فماذا تحْذرًي

ونّقّرًي ما شئْت أن تُنَقَّرًي

قد ذهب الصّيّادُ عنك فابْشري

لا بُدَّ من أخذًكً يوماً فاصبري


ولكن سخّر الله للشريعة حراساً كُثر، ينْفون عنه زيف المتعالمين، والله سبحانه قد تكفَّل بحفظ دينه من أيدي الجهلةً والعابثين، فقال تعالى (إًنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذًّكْرَ وَإًنَّا لَهُ لَحَافًظُونَ) [الحجر - 9]، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر المحفوظ، كما رَوَى أحمد في مسنده (4/130) وأبو داود في سننه (4604) بسند صحيح من حديث المقدام بن مَعْدًي كَرب الكندي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أُوتيتُ الكتابَ ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، لا يُوشكُ رجل يَنْثني شبعانا على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلالي فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرًّموه».

فإن التطاول على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو التطاول على كتاب الله سواء بسواء، فالكل شرعي، والكل من عند الله.


الجماعةُ


ذكرنا في موضع سابق حديث معاوية بن أبي سفيان فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثًنْتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثي وسبعين ملة- يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرجُ في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلبُ بصاحبه، لا يبقى منه عًرْق ولا مفصل، إلا دخله، والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به» [رواه أحمد في مسنده (4/102) بإسناد حسن ورواه غيره، والحديث صحيح].

وروى ابن ماجه في سننه (3392) من حديث عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسُ محمدي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل: يا رسول الله من هم؟، قال: الجماعة» [وسنده حسن، وهو صحيح].


ما أنا عليه وأصحابي

وروى الترمذي في سننه (2641) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». [حسنه الترمذي، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، صالح في المتابعات والشواهد، فالحديث بما قبله].


السّوادُ الأعظمُ

وروى الطبراني في المعجم الكبير (8/273 رقم: 8051) من حديث أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اختلفت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعين فرقة في النار وواحدةي في الجنة، واختلفت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة، وتختلف هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» فقلنا: انْعتْهُم لنا، قال: «السواد الأعظم». [قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/234) رواه الطبراني ورجاله ثقات، قلت: والحديث صحيح].

المعنى واحد وإن اختلف المبْنى

جاءت الروايات السابقة على ذكر الفرقة الناجية ففي رواية «وهي الجماعة»، وفي رواية «ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية أخرى «السواد الأعظم»، والمعنى واحد وإن اختلف المبنى، ولذا قال الآجري في الشريعة (1/302): ثم إنه سُئل: من الناجيةُ؟ فقال في حديث: «ما أنا عليه وأصحابي»، وفي حديث قال: «السواد الأعظم»، وفي حديث قال: «واحدة في الجنة وهي الجماعة»، قلت أنا: ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى أ.هـ

والحديث كما ترى ثَبُتت روايته عن كثير من الصحابة: معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعوف بن مالك، وأبي أُمامة، وغيرهم لم أذكره اختصاراً، رضي الله عنهم أجمعين،وممن روى هذا الحديث أنس بن مالك- رضي الله عنه- وكانت رواية أنس موافقة للروايات الثابتة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن ماجه في سننه (3393) من طريق قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة»، وتابعه:

(1) زياد بن عبد الله النميري عن أنس عند أحمد في مسنده (3/120).

(2) سعيد بن أبي هلال بن أنس، عند أحمد في مسنده (3/145).

(3) زيد بن أسلم عن أنس، عند أبي يعلى في مسنده (6/340 رقم: 3668).

وفي ذكر هؤلاء الأربعة عن أنس ما يكفي خشية الإطالة، فهاك الحديث عن أنس موافقاً لأصحابه من الصحابة.

ما الذي حدث لحديث أنس؟!

مرَّ الحديثُ بمراحل:

أولها: الوضع، وثانيها: القلب، ثم السرقة، ثم الاضطراب والتناقض.

(مرحلة وضع الحديث والكذب)

رواه أبو جعفر العقيلي في الضعفاء الكبير (4/201) قال:

ـ1 حدثنا محمد بن مروان القرشي قال: حدثنا محمد بن عبادة الواسطي قال: حدثنا موسى بن إسماعيل الجبلي، قال: حدثنا معاذ بن ياسين الزيات، قال: حدثنا الأبرد بن أبي الأشرس، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفترق أمتي على سبعين، أو إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال«بالزنادقة»، وهم القدرية. ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الموضوعات (1/267) قال: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنبأنا ابن بكران، قال: أنبأنا العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن الدخيل، قال: حدثنا العقيلي، قال: حدثنا محمد بن مروان القرشي به.

في إسناده معاذ بن ياسين الزيات، قال العقيلي (4/201): «رجل مجهول، وحديثه غير محفوظ».

والأبرد بن أبي الأشرس، قال الذهبي في الميزان: «قال ابن خزيمة: كذّاب وضّاع»، وزاد عليه ابن حجر في اللسان (1/128) بقوله: وهذا من الاختصار المُجحف المُفسد للمعنى، وذلك أن المشهور في الحديث «كلها في النار إلا واحدة» أ.هـ

قلت: وهكذا يتحمل الوضّاع الأبرد بن الأشرس وضع الحديث وبذلك تمت مرحلة الوضع.

وفي العدد القادم بإذن الله تعالى سنكمل بقية المراحل التي مرَّ بها حديث أنس رضي الله عنه، والحمد لله رب العالمين.


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 2/4/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127