الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أين دُعَّارُ طَيًّئ الَّذًينَ قَدْ سَـعَّرُوا الْبًلاد؟َ الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                

أين دُعَّارُ طَيًّئ الَّذًينَ قَدْ سَـعَّرُوا الْبًلاد؟َ

«أصبحت ثقافة البعض ما ترونه وتسمعونه من صياحي ووعيد»

من يُجيبُ عَلَى تَساؤلً عَدي بن حاتًم الطائًي؟ من يوقف رموز التهييج والإثارة ؟ ورؤوس الفتنة وَجَمَاعاتً الفَوضَى التًي تُهَدًّدُ أركانَ البًلادً والْمصَالًحَ الاجْتًماعًيةً وَالاقْتًصَادًيَّةً وَالأَمْنًيَّةً .

مَن دُعَّارُ طَيًّئ؟ الَّذًينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبًلادَ:

(فأَيْنَ دُعَّارُ طَيًّىء) أَرادَ بًهم قُطَّاعَ الطَّرًيق: قاله ابن الأثير فًي النهاية، وقال ابْنُ نجيم الْحنفي فًي البَحرً الرائًقً (4/400): (وَالدَّاعًرُ) بًالدَّالً وَالْعَيْنً الْمُهْمَلَتَيْنً كُلُّ مُفْسًدي، وَجَمْعُهُ دُعَّار من الدَّعْرً وهو الْفَسَادُ . وقال ابْنُ حَجَري فًي مُقَدًّمَةً الفَتحً: (دُعَّارُ طَيًّىءي) بًضمًّ أَوله والتشديد» جَمْعُ دَاعًر وَهُو الشريرُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُفْسًدً والسَّارًقً . (الَّذًينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبًلادَ) قَالَ الْحافظُ فًي الفتحً: أَي أَوْقَدُوا نَارَ الفًتنَةً» أَي مَلَؤوا الأَرضَ شَراً وَفَساداً، وَهو مُسْتَعار مًنْ اسْتًعَارً النَّارً وَهوَ تَوَقُّدهَا.

ويَتَساءَلُ عَدًيُّ بْنُ حَاتًم الطَّائًيًّ عَنْ أُلئًكَ الْمُفسدًينَ وَمُثًيْرًي الفًتَنَ، وَالزُّعَماءً مًنْ قُطَّاعً الطُّرُقً وَالْمُنحرًفًيْن، الذًينَ سَعَّرُوا البًلادَ فَأَشْعَلُوا فًيهَا نَارَ الفًتَنً، وَأَظْهَرُوا الفَسَادَ ببث الْخوف والذعر بَيْنَ النَّاسً، هَلْ مًنْ نًهَايةي لَهُم ؟ وَهَل سيَقْضي الإسلام علًى هَذًهً الفًتن التًي أَقْلَقَتْ العًبَادً؟! كَمَا أَخبَرَ بًذلكَ النَّبًيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلم.

وَقَبًيلةُ طَيىء مًنَ القَبائًلَ العَربًيةً الْمعروفةً، تَسْكُنُ فًي الْمنطقةً ما بَيْنَ حدودً العراقً إلَى الْحًجاز، وكان ينتشرُ فًي تلكَ الْمواطنَ جَمَاعات من قطَّاعً الطرقً، وأحزاب مًنْ الْمُفسدينَ، يقود كل فئةي زعيم من شرار الْخلق، يقوم بالسيطرة عَلى عُقولً أتباعة، فًي عَالَم تَسُودُهُ الفَوضَى، يَتَكَسَّبونَ مًنْ قَطْعً الطَّريقً علَى الناسً، كُلَّما هَدَأَتً الأَحوالُ فًي تًلكَ البًلاد» خَرَجُوا عَلى العًبادً» يُظْهًرونَ الشَرَّ، وَيَنشُرونَ الفًتَنَ، فَعَلا لَهُم بًذَاكَ صًيت عَظًيم، وَعُرًفَ أَمْرُهُم بًالإًفسادً فًي الأَرضً، فكانت مناطق فًتَن لا تَعْرًفُ أَمْنَاً وَلا اسْتًقْرَاراً، يَخشاها الناسُ والْمسافرُ، وعابرُ السبيلً.

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فًي عهد الفقر والضعف والْخوف يُمَنًّي أصحابه بالأمان، والراحة، واستتباب الأمن ورغد العيش، فبشر بانتشار الإسلام، وظهور الْخير وذهاب الشرًّ، وبلوغُ الأَمن كُل البلادً، وَقَطْعُ دَابًرً الفَوضَى والفًتَنً عَنْ كُلًّ وَادي . وَكانَ أَحَدُ مَنْ أَخْبَرهم عَدًيُّ بنُ حَاتًم الطَّائًي فَأَخرَجَ البُخَارًيُّ فًي صَحيحًهً (3595) مًنْ حَديثً عَدًيًّ بْنً حَاتًم رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عًنْدَ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، إًذْ أَتَاهُ رَجُل» فَشَكَا إًلَيْهً الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ» فَشَكَا إًلَيْهً قَطْعَ السَّبًيلً، فَقَالَ: ((يَا عَدًيُّ! هَلْ رَأَيْتَ الْحًيرَةَ؟))، قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبًئْتُ عَنْهَا، قَالَ: ((فَإًنْ طَالَتْ بًكَ حَيَاة لَتَرَيَنَّ الظَّعًينَةَ، تَرْتَحًلُ مًنْ الْحًيْرَةً حَتَّى تَطُوفَ بًالْكَعْبَةً، لا تَخَافُ أَحَدًا إًلا اللَّهَ))، قُلْتُ فًيمَا بَيْنًي وَبَيْنَ نَفْسًي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيًّئي؟ الَّذًينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبًلادَ . ((وَلَئًنْ طَالَتْ بًكَ حَيَاة لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كًسْرَى)) ، قُلْتُ: كًسْرَى بْنً هُرْمُزَ؟! قَالَ: ((كًسْرَى بْنً هُرْمُزَ، وَلَئًنْ طَالَتْ بًكَ حَيَاةي» لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرًجُ مًلْءَ كَفًّهً مًنْ ذَهَبي أَوْ فًضَّةي، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مًنْهُ، فَلا يَجًدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مًنْهُ))، قَالَ عَدًيّ: فَرَأَيْتُ الظَّعًينَةَ تَرْتَحًلُ مًن الْحًيرَةً، حَتَّى تَطُوفَ بًالْكَعْبَةً لا تَخَافُ إًلا اللَّهَ، وَكُنْتُ فًيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كًسْرَى بْنً هُرْمُزَ، وَلَئًنْ طَالَتْ بًكُمْ حَيَاةي لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبًيُّ أَبُو الْقَاسًمً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: ((يُخْرًجُ مًلْءَ كَفًّهً)). وفًي رًوَايَة لًلبُخَارًيًّ فًي الصحيحً (1413) قال: فَجَاءَهُ رَجُلانً أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبًيلً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: ((أَمَّا قَطْعُ السَّبًيلً» فَإًنَّهُ لا يَأْتًي عَلَيْكَ إًلا قَلًيل حَتَّى تَخْرُجَ الْعًيرُ إًلَى مَكَّةَ بًغَيْرً خَفًير، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ» فَإًنَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بًصَدَقَتًهً لا يَجًدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مًنْهُ)). وَيُؤَيده مَا أَخْرَجَ البُخارًيُّ فًي صَحيحًهً (6943) مًنْ حَدًيثً خَبَّابً بْنً الأَرَتًّ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، عَن رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ:((وَاللَّهً لَيَتًمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسًيرَ الرَّاكًبُ مًنْ صَنْعَاءَ إًلَى حَضْرَمَوْتَ» لا يَخَافُ إًلا اللَّهَ وَالذًّئْبَ عَلَى غَنَمًهً وَلَكًنَّكُمْ تَسْتَعْجًلُونَ)). وَفًي الْخَبَرً وَعْد بًالأَمنً والأَمانً، وأَنَّ مَنْ داَنَ بالسمعً والطاعةً إلَى مَنْ بًيدًهً مَقاليدُ الأُمورً وَصَبَرَ علَى ذَلكَ، ولَم يظهر شراً وَفًتناً بَيْنَ صُفوفً الْمُسلمينَ» مَآلَه لا مَحالةَ إًلَى الْخَيرً.

الإًسْلامُ يُبَشًّرُ بًالأَمنً والأَمانً

وَهُم دُعَاةُ فًتنَة وَفَوضَى

الإًسلامُ يُبَشرُ بًالأَمْنً وَيَدعُو إلَى الأَمَانً، وَهُم دُعاةُ فًتنةي وَفَوضَى وامتداد لًكُلًّ مَنْ أَحْدَثَ الفًتَنَ فًي مُجْتَمعاتً الْمُسلمينَ مُنذُ أيام الْخليفة الشهيد عُثمان بن عَفَّانَ رَضًيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ شَيخُ الإًسلامً ابْنُ تَيميةَ فًي مَجموعً الفَتاوىَ (25/303) كانَ مَقتلُ عُثمانَ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ مًنْ أَعظَمً الأَسبابً التًي أَوْجَبَتً الفًتَنَ بَينَ النَّاسً، وَبًسَبَبًهً تَفَرَّقَتً الأُمَّةُ إلَى اليومً ... وقالَ: فَاتَّفقَ الْمُهاجرونَ والأنصارُ عَلى تَقْدًيْم عُثمانَ بْنً عَفَّانَ مًنْ غَيْرً رَغْبَة بَذَلَها لَهُم، وَلا رَهْبَةي أَخَافَهُم بًها، وَبَايَعوهُ بَأَجْمَعًهًم طائًعًيْنَ غَيْرَ كَارًهًيْنَ، وَجَرَى فًي آخًرً أَيَّامًهً أَسباب ظَهَرَ بالشَّرً فًيها عَلى أهلً العًلمً وَأهلً الْجهلً وَالعدوانً، وَمَا زَالوا يَسعونَ فًي الفًتَنً حَتَّى قُتًلَ الْخليفةُ مَظلوماً شَهيداً بًغَيْرً سَبَب يُبًيحُ قَتْله، وَهُو صَابًر مُحتَسًب لَم يُقَاتًل مُسلماً، فَلمَّا قُتًلَ رَضًىَ اللهُ عَنْهُ تَفَرَّقَتً القُلوبُ وَعَظُمَت الكُروبُ، وَظَهَرَت الأَشرارُ وَذُل الأَخيارُ، وَسَعَى فًي الفًتنةً مَنْ كانَ عَاجًزاً عَنْها، وَعَجًزَ عَنً الْخَيْرً وَالصَّلاحً مَنْ كَانَ يُحب إًقَامَتُهُ. اهـ

بَأَيدًينا نَصنَعُ الْخَوارًجَ

لا نَسبُّ الأُمَراءَ، وَلا نَغًشُّ الوُلاةَ، وَنَسمعُ وَنُطيعُ فًي الْمعروفً، وَلا نَعْرًفُ غَدْراً بًالرَّاعًي أَو الرَّعًيَّةً. رَوَى ابْنُ أبًي عَاصًمي فًي السنَّةً (2/488) وَالبَيْهَقًي فًي شُعَبً الإًيْمانً (6/69) بًسَنَد صَحًيح عَنْ أَنَسً بْنً مَالًكً قَالَ: نَهاناَ كُبراؤُناَ مًنْ أَصْحَابً رَسُولً اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّم، قَالَ: (لا تَسُبوا أُمَرَاءَكُم، وَلا تَغُشوهُم، وَلا تُبْغًضُوهم، وَاتَّقُوا اللهَ وَاصْبًروا فَإًنَّ الأَمرَ قَرًيب). وَفًي رًوَايَةً البَيْهَقًي: (وَلا تَعْصوهم) . هَذاَ مَوْقًفُ الصَّحَابَةً مًنْ الوُلاةً، وَهَذا دًينُ أَهْل السنةً وَالْجَمَاعَةً وَعَقًيدَتهم فًي وُلاةً الأَمْرً . وإًنَّ مَا نَراهُ اليومَ مًنْ لُغة غَرًيبَة» تُذَكًّرُنَا بًلَهًيبً أَلْسًنَةً الْخوارجً، إًنَّها الثَّقافَةُ الْجَديدةُ التًي جَعَلتْ مًنْ فَحًيحَ الأَفَاعًي مَنْهَجَاً لًلتَّفاهُمً وَلُغَةً لًلحًوارً، وَذَلًكَ بًسَبَبً جَعْل الأَبوابً مُشْرَعَةً، أَمَامَ كُل غَريب وَ وَافًد علًى البلادً، مًنْ أفراد، وأفكار، وَمُعتقدات، مًنْ غَيْرً ضَابًط وَلا رَابًط، كَـ (مَذاهبَ) الفًرَقً البَاطًنًيّةً ذاتً الْمَنابًعً الشَّرقًيَّةً، و كـ (الديْموقراطيةً الغَربيةً الْمُعَلَّبَةً)، وَمَا تَحملهُ مًنْ طُوفَانً التَّحَررً وَالاعْتًداءً علَى هَيبَةً الوُلاةً، والْحَضَارَاتً، وَالأُمَمً. إن هذا التراخًي أَمَامَ كُلًّ غَريب يَضَعُ أُصُولَ وَمُعتَقَداتً أكثر النَّاسً، وَمَا عَليهً الْمُجتمعُ مًنْ العاداتً والأَعْرَافً الْمحمودَةُ، التًي أُصًّلَتْ فًي مُجتَمَعًنا عَبْرَ السَّنًينَ، وَنَبَتَ عَليهَا أَكْثَرُ النَّاسً فًي مَهَبًّ الرًّيحً - إًلا مَنْ رَحًمَ اللهُ-، وَتَنْشَأُ فًي هَذًهً البيئَةً بَعْضُ العقولً والأفئدةً التًي ذَهَبت بًها الأَهوَاءُ بَعيداً عَنْ الفطرةً السليمةً، حَتّى أصبحت ثقافة البَعْضً وَدًينَهُ» هُوَ مَا تَرونهُ اليَومَ مًنْ صُراخ وَنًياح وَوَعًيد واسْتًباحَة لًهَيبَةً وُلاةً الأَمرً، وهذا يُعَدُّ نَتًيجَة حَتْمًية، وَوَلًيد غَريب لذلك الْخليط مًنَ الأفكارً الْمستوردةً والْمذاهبَ الْمُنحرًفَةً لًطوائفَ السَّبَئًيّةً وَالْحَرُورًيةً، عَصَمَنا اللهً وإياكُم مًنَ الفًتَنً مَا ظَهَرَ مًنها وَمَا بَطَن .


د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 16/4/2007 

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127