الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الأَخـلاقُ ... الأَخلاقُ يا عًبـَادَ الله ! (2) الشيخ عبدالعزيز ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



الأَخـلاقُ ... الأَخلاقُ يا عًبـَادَ الله ! (2)

أَخْلاقُ النَّبًيًّ صلى اللهُ عليهً وَسَلَّم» هَزَّت مَشاعرَ البَشرً، واسْتَحْكَمَتْ مَحبتُهُ، وَمَحَبَّةُ سَجَايَاهُ فًي نُفُوسً مَنْ عَرَفوه، وَكانَ بَعيداً عَنً الفُحْشً وَالأَخْلاقً التًي تُدَنًّسُ الرًّجالً، حتَّى طوَّعَ القلوب الصَّلبةً، فأقبلت علَى دينً اللهً، وَاجْتثَّتً الكفرَ مًنْ أَصلهً، ودخل الناسُ فًي دين اللهً أَفواجا، لًما وجدوا من الْحَقًّ، وما رأوه من شَفَقَتهً علَى الناسً خَشْيَةَ الوقوعً فًي الضلال والانْحرافً، وكان من قولًهً لًمن وُفق إلَى الْخيْرً أو عملَ بًالطاعةً: «الْحَمْدُ لًلَّهً الَّذًي أَنْقَذَهُ مًنْ النَّارً». (1) حُسنُ الأَخلاقً دَعوة

كما رواه البُخاريُّ (1356) فًي صَحيحهً مًنْ حديثً أَنَسي رَضًيَ اللَّهُ عَنهُ، قَالَ: كَانَ غُلامي يَهُودًيّي يَخدُمُ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ» فَمَرًضَ، فَأَتَاهُ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عًندَ رَأْسًهً، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلًمْ»، فَنَظَرَ إًلَى أَبًيهً وَهُوَ عًنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطًعْ أَبَا الْقَاسًمً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لًلَّهً الَّذًي أَنْقَذَهُ مًنْ النَّارً». فأين الأحزاب؟ وَهلْ غَرَقوا فًي الأَخْلاقً السياسيةً، وَالقَوانًيْنً الْحًزبًيَّةً، فاصبحوا يعانون عُقَدً التَّنظيمً الْحَركي وَعَصَبيتًهً، وَالتَّحَزُّبَ وَأَمراضًهً.

( بالأَخْلاقً نُعالًجُ مرَضً الاسْتعلاءً الْحًزبًي )

(2) خيارُ الْخلقً أَفضلهم خُلُقاً

روى البُخاريُّ (6035)، وَمُسْلمي(2321) فًي صَحيحيهما مًنْ حديثً عَبْدً اللَّهً بْنً عَمْريو بن العاص طَالًبي رَضًيَ اللهُ عنهما قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «إًنَّ خًيَارَكُمْ أَحَاسًنُكُمْ أَخْلاقًا».

وَكانَ مًنْ وَصاياهُ لأَصحَابًهً فًي التَّعَامُلً مَعَ عبادً اللهً أَن يَتَحَلَّوا بًالأَخلاقً الرَّفيعةً. والدليلُ ما رَواهُ أَحمدُ فًي مُسنده (5/153)، والتًّرمذًيُّ في سُننه(1987) بًسندي صَحيحي مًنْ حديثً أَبًي ذَرّي رَضًيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قَالَ لًي رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «اتَّقً اللَّهً حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبًعْ السَّيًّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالًقً النَّاسَ بًخُلُق حَسَن». وهنا نتساءَلُ كيفَ يعالَج الاستعلاء الْحزبًي؟ وكيف هًيَ أخلاقُ ذلك الإمبراطورُ الْحزبًي الذي يتربع علَى عرشي من علب الصفيح مملوء بًجماجم أتباعه.

( حُسْـنُ الْخُلُقً مًنَ الإًيْمـانً )


(3) الْخُلُقُ الْحسَنُ من خير مَا أُعْطًيَ النَّاسُ .

مَنْ يُوفقُ إلَى خُلق حَسن فقد أُعطيَ خَيْراً كثيراً، وَكَمْ هو صَعْب تَرويضُ النُّفوسً علَى الْخًصالً النبيلةً والقيمً الطيبةً، وقد جاءَ فًي سؤالً أَصحابً النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، مًنْ حَدًيثً أُسَامَةَ بْنً شَرًيك رَضًيَ اللهُ عَنْهُ الذي رَوَاهُ أَحمد فًي مسنده (4/278) بًسَنَد صَحيح، قَالُوا: مَا خَيْرُ مَا أُعْطًيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهً ؟! قَالَ: «خُلُق حَسَن».

(4) الأَخلاقُ الْحسَنَةُ ثقيلةي فًي الْميزان.

عليكَ يا عَبدَ اللهً ! بًكريْمً الْخصالً، وطيبً الْمَعْشَرً معَ الْمُسلمينَ، وحُسنُ الْخُلقً مَعَ الناسً عَامَّة، حتَّى تَجًدَ الْمَوازًينَ يومَ القيامةً وقد أُثقلت بًحسناتي مًنْ حَصادً الأَخلاقً الْحسنةً، ولنا ما رواهُ أَحْمدُ فًي مُسندًهً (6/446)، وأبو داود (4799)، والترمذي(2002) فًي السُّنَنً بًسَند صَحيح مًنْ حَديثً أَبًي الدَّرْدَاءً رَضًيَ اللهُ عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مًنْ شَيْء أَثْقَلُ فًي الْمًيزَانً مًنْ خُلُق حَسَن».

(5) الأخلاقُ الْحسنةً من البًرًّ

روى مسلم في صحيحه (2553) من حديث النَّوَّاسً بْنً سًمْعَانَ الأَنْصَارًيًّ رَضًيَ الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ عَنْ الْبًرًّ وَالإًثمً ؟ فَقَالَ: «الْبًرُّ حُسْنُ الْخُلُقً، وَالإًثْمُ مَا حَاكَ فًي صَدْرًكَ» وَكَرًهْتَ أَنْ يَطَّلًعَ عَلَيْهً النَّاسُ» . وَالبًرُّ يكونُ بًمعنَى الصلة واللطف والْمَبَرَّة وحُسن الصحبة والعشرة، وَبًمعنَى الطاعة، وهذه الأمور جامعة لًحسنً الْخُلقً.

[إًمبراطور يَتَرَبَّعُ عَلَى عَرْش مملوء بًجماجمً الأَتباعً]

الْحزبية أفسدت أخلاق الْمُسلمين، فودعوا السماحة، والصدق، والْحلم، والرفق، والتواضع، وانقادوا خلف حًزبًي يعيش الأحلام فًي إمبراطوريته الْحزبية، ودولته الوهميةً متربعاً علَى عرشي من عُلبً الصفيحً» قد ملأه بًجَماجًمَ أتباعه، لا حول لَهم ولا قوة، يَتبعونَ قوانين الْحزب، وما رُسًمَ لَهُم من تعاليم، ومن أرادَ أن يرفع رأساً، ويعيش حراً فًي ساحةً الإًسلامً الواسعةً، رَموهُ بالسوءً والتَّمردً علَى الأخلاقً والقيمً، وَتُهمته الْخروج عن أخلاق الْحزب، والْهربُ مًنْ عُلبً الصفيحً .

(6) السَّماحَةُ مًنْ الأخلاقً

روى البخاري في صحيحه (2076) من حديث جَابًرً بْنً عَبْدً اللَّهً رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحًمَ اللَّهُ رَجُلا سَمْحًا» إًذَا بَاعَ، وَإًذَا اشْتَرَى، وَإًذَا اقْتَضَى». فالسماحةُ مع الناس من الْخصالً الْمَحمودة والْمَطلوبةً شرعاً فًي التعامل مع الناس، و حسن الْمعاملةً وسَمَاحَةُ الْخُلُقً من الأمور التًي فقدها من يعتقدون أَنَّهم رموزُ العملً فًي ميدان الدعوة إلَى الله، ورؤوس الناس، وزعماء الأحزاب .

(7) الرًّفْقُ مًنَ الأَخلاقً

الرفق بالمسلمين خُلُق رَغَّبَ إليه الْمُشَرًّعُ وحثَّ عليه، ورجَّحَ الْمَنفعةَ العامةً، والتوسعة على أهل الفاقةً والضعف خاصة، وحسن الْخُلقً مشروع قولاً وفعلاً، قال تعالَى:(فقل لَهم قولاً ميسورا)[لإسراء: 28]، أي: قولا معروفا، جَميلاً لَيًّناَ، وخاطبهم خطاباً لطيفاً، وكن طيب القولً، سَهْل العبارةً، وقال تعالَى: (واخفض جناحك لًمن اتبعك من الْمُؤمنين) [الشعراء: 215]، وقال: (واخفض جناحك للمؤمنين)[الحجر: 88]، فَنَبَّهَ ربنا تبارك وتعالَى النَّبًيًّ صَلَّى اللهُ عليه وسلم، بالذي يَجبُ عليهً مًنْ خُلُقي مَعَ أتباعه الْمُؤمنين: فالإرشادُ يا محمدُ! ـ صَلَّى اللهُ عَليهً وَسَلَّم ـ، إلَى أَن تَلينَ لًمَنْ آمَنَ بًكَ واتبعكَ، واتبع كلامك، وعليكَ بًتقريبًهم مًنْكَ، ولا تَجفُ بًهم ولا تغلظ عليهم، قال تعالَى:(ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران: 159]، ومعنى الغلظ خشونة الْجانبً، وروى البُخاريُّ (10)، وَمُسْلم(40) فًي صَحيحيهما مًنْ حَديثً عَبْدً اللَّهً بْنً عَمْريو بن العاص رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلًمُ مَنْ سَلًمَ الْمُسْلًمُونَ مًنْ لًسَانًهً وَيَدًهً» . روى البُخاريُّ (6024)، وَمُسْلمي(2165) فًي صَحيحيهما عَنْ عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «إًنَّ اللَّهَ يُحًبُّ الرًّفْقَ فًي الأَمْرً كُلًّهً». وروى مسلم في صحيحه (2592) من حديث جَرًيرَ بْنَ عَبْدً اللَّهً رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «مَنْ يُحْرَمْ الرًّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ » . وروى مسلم في صحيحه (2593) من حديث عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عَائًشَةُ! إًنَّ اللَّهَ رَفًيقي يُحًبُّ الرًّفْقَ، وَيُعْطًي عَلَى الرًّفْقً مَا لا يُعْطًي عَلَى الْعُنْفً، وَمَا لا يُعْطًي عَلَى مَا سًوَاهُ».

وفًي رواية لًمسلم (2594): «إًنَّ الرًّفْقَ لا يَكُونُ فًي شَيْء» إًلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مًنْ شَيْء إًلا شَانَهُ».

وأخرج أحمد فًي مسنده (4/278) بسند صحيح مًن حَديثً عَائًشَةَ رَضًيَ اللهُ عَنها، أَنَّ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: «إًنَّهُ مَنْ أُعْطًيَ حَظَّهُ مًنْ الرًّفْقً» فَقَدْ أُعْطًيَ حَظَّهُ مًنْ خَيْرً الدُّنْيَا وَالآخًرَةً، وَصًلَةُ الرَّحًمً، وَحُسْنُ الْخُلُقً، وَحُسْنُ الْجًوَارً، يَعْمُرَانً الدًّيَارَ، وَيَزًيدَانً فًي الأَعْمَارً». وروى والتًّرمذًيُّ في سُننه(1974) بًسندي صَحيحي مًنْ حديثً عَنْ أَنَسي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ:« مَا كَانَ الْفُحْشُ فًي شَيْء إًلا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فًي شَيْء إًلا زَانَهُ» .وأخيرا أقول الداء كبير والبحث فيه يطول، فاللهم! ارقنا وإخواننا الْمُسلمين الأخلاق الْحسنة،َ والْحمد لله رب العالَمين.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 4/6/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127