الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

اْلحَقُّ واحد عند أهلً الأَثَر - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 28 / 08 / 2009
                                



اْلحَقُّ واحد عند أهلً الأَثَر

فمَن أَوهَمَ الناس بتعدد الحقًّ» وقال:المسأَلةُ خلافًيَّة؟

الجواب علَى الْمسائلً الشرعيةً يكونُ بتحريرً القولً الصريح وذكر الدليل الثابت الصحيح، وإًنْ كان لا يُعلمُ فًي الْمسألةً شيء» فالجواب: لا أدري، وذلك أبرأُ للذمةً، ونُصح للأُمةً وأما القول: بأَنَّ المسألةَ خلافية» فلا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، وهذا الدين حق و الحق لا يتعدد. وتكلم الشاطبي عن التعدد وذكر حديث الافتراق: الذي رواه أَحْمَدُ فًي مُسْنَدًهً (4/102) من حديث معاوية رضيَ الله عنه بًإًسنَاد حَسَن، وابْنً مَاجَه فًي سُنَنًهَ (3392) مًنْ حَديثً عَوْفً بْنً مَالًك رضي الله عنه: ((وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ سَتَفْتَرًقُ عَلَى ثَلاث وَسَبْعًينَ فًرْقَةً» كُلُّهَا فًي النَّارً إًلا وَاحًدَةً، وَهًيَ الجمَاعَةُ))، وفًي رواية التّرْمًذًيُّ فًي سُنَنًهً (2641) مًنْ حَديثً عَبْدً اللَّهً بْنً عَمْريو بْنً العَاصً: ((مَا أَنَا عَلَيْهً وَأَصْحَابًي)). قال الشاطبي رحمه الله في كتاب الاعتصام (2/249): إن قوله عليه الصلاة والسلام : ((إلا واحدة))، قد أعطى بنصه أَنَّ الحقَّ واحد لا يَختلفُ، إذ لو كان للحق فًرَق أيضا» لَم يقل: ((إلا واحدة))، ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق، لأَنَّها الحاكًمَةُ بين المختلفين لقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) [النساء: 59]، إذ رد التنازع إلَى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف» لَم يكن في الرد إليها فائدة، وقوله: ( في شيء) نكرة في سياق الشرط فهي صيغة من صيغ العموم، فينتظم كل تنازع على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد، فلا يسع أن يكون أهلُ الْحقًّ فًرقا، وقال تعالى: ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ) [الأنعام: 153]، وهو نص فيما نَحن فيه» فإن السبيل الواحد لا يقتضي الافتراق بًخلاف السُّبُل المختلفةً.


مصادر التلقي عند الصحابة


أخذ الصحابة العلم من النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم، وأخذ التابعون العلم من الأصحاب رضي الله عنهم أجمعين، حَتَّى جاءت مرحلة تبع الأتباع، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، فانتشر العلم، وكثر العلماء فًي الأمصار كـ الأوزاعي، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعبد الله بن الْمبارك، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، والبقية أكثر، وعلى إثر ذلك ظهرت الْمدارس الفقهية وبدأت أمراض النفوس تدب فًي قلوب الأتباع والمتعصبة، وكان من قَدَرً هذهً الأُمَّةً انتشار أقوال وآراء لبعض أهل العلم دون الآخرين، علَى صورة مذاهب وانْحسار بعضها، لأسباب وظروف سياسية وجغرافية واجتماعية، لا يسع الْمقام لذكرها، فاستقر الأمر لدى العامة أن المذاهب الفقهية أربعة: المذهب المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي، وبقية الْمذاهب وان كانت مدونةً فًي الكتب لكنها لَم تبلغ من الانتشار ما بلغت الْمذاهب الأربعة، وكان لتلاميذ الأئمة الأربعة أثر ودور كبير ساعد على انتشار هذه الْمذاهب.


هل الأَئًمةُ لَهم ما للأَنبياءً؟!


حمل التعصب بعض الأتباع وخرجوا عن جادة الصواب فجعلوا هؤلاء العلماء كـ (الشافعي وغيره) فًي مقام النَّبًيًّ صَلى اللهُ عليه وسلم، وجعلوا تلاميذ الأئمة فًي مرتبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لَم يكن الأمر أبعد غلواً من ذلك» فَأَقوالُهم ومذاهبهم بلغت من القداسةً بًحيث لا تقبل نقاشاً ولا استدراكا، ولا حق سواه، ولو أَتيت بًما تتصدع لَها الجبال الروس من كلام الله والسنة الصحيحة.

نشأةُ الخلافً وتطور المذاهب

بداية تطور المذاهب وتكوينها:

ـ1 مرحلة ظهور الإمام وبروزه.

ـ2 ثُم مرحلة حفظ ـ ما لَم يكلفنا الله بًحفظه ـ وهي مرحلة حفظ التلاميذ لأقواله وأفعاله والتكوين الابتدائي لًمذهبه.

ـ3 ثُم مرحلة تفرق التلاميذ فًي البلدان والأمصار.

ـ4 مرحلة اختلاف التلاميذ فًي نَقل أو فَهم من فتاوى الإمام التًي جُمعت فًي مصنفات.

ـ5 هذه الآراء المختلفة انتهت إلَى صراع داخلًيّ، ومن ثَمَّ تكوين مذاهب فرعية كثيرة تتبع الْمذهب الأصل.

كلُّ مذهب يُخْفً عَشَراتً المذاهبً

ومئاتُ المذاهبً تحتَ مُسمى المذاهب الأربعة

فظهر الانقسام فًي المذهبً الواحد حتى صار عدة مذاهب ومشارب تَحت شعار واحد كل يتعصب لقوله، وقول شيخه وحلقته، ويرى أن الْحقَّ فيما نقلوه عن الإمام، وكل هذه الانقسامات والخلافات تَحت مظلة واحدة، قال تعالَى: (تَحْسَبُهُمْ جَمًيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلًكَ بًأَنَّهُمْ قَوْم لاَ يَعْقًلُونَ ) [الحشر: 14]، أي: مُختلفين غير متفقين، والناس لا يعلمون حالَهم، ولا يعرفون ما هم فيه من شقاقي واختلافي فًي مذهبهم الذي تعصبوا له، وفارقوا الناس عليه، والسبب فًي نشوء الخلاف أنه من عندهم وليس من عند الله، لقوله تعالَى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء: 82]،. والحقيقة التًي يَجب أن يعلمها الْمسلمون أَنَّهم يتعاملون مع مئات المذاهب (ويسمونَها بتخريجات الأصحاب) التًي أخفوها تَحت مسمى أربعة مذاهب، والناس اليوم يعيشون فًي فوضى الآراء الْمذهبية التي لا نَجاة لَهم منها إلا بالرجوع إلَى قولً الله تعالَى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) [النساء: 59]، وقوله تعالَى:( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء: 65]، وقوله تعالى :(وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) [ الشورى: 10]. إن عبادةَ اللهً تكون بالأخذ بالكتاب والسنة، ولا تكون بأقوال الْمذهبيين، وآراء المفكرين، وتَحريرُ الرّاجًحً مًنَ المرجوحً فًي الْمسألة من كتاب الله، وأقوال النَّبًي صلى الله عليه وسلم، وأفعالًه، هو ما نَحن متعبدون به أمام الله سبحانه وتعالَى، وأما فناء العمر» وذهاب الأوقات» فًي تقرير وَتَحرير الراجح من أقوال أَحمدَ والشافعيًّ ومالكي وأبًي حنيفةَ النعمان» فهذا أمري أجزم أن الله لن يَسألنا عنه.


جَعلوا الحقَّ بعيد الْمنالً» وصوروه بالأغلالً


فأصبح الْمسلم يعانًي إذا بدا له أن يسَأَل فًي أمر دينه، فإن سأل مذهبياً فسوف تكون الفتوى على قول ورأي من عدة آراء فًي مدرسة تَختلفُ الاتجاهات فيها، من عدة مدراس تَختلف آراؤهم فًي الْمسألة الواحدة، وهذه الدوامة من الخلاف تدور رحاها داخل الْمذهب الأم، أي: أن بينه وبين أن يصل إلَى قول الإمام الشافعي أو الإمام أحمد مفاوز - بل قل: أغلالا وقيودا - فضلا عن ان يصل إلَى الحق وماكان عليه النَّبًي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذاك النحرير منهم والشيخ المجتهد من يستطيع أن يُرَجًّحَ بين مذاهبَ وأقوال المذهب الواحدً، وهو ما يطلقون عليه: القول الراجح فًي المذهب كـ (الشافعية) وبقية الْمذاهب، والراجح فًي المذهب لا يعنًي أنه الراجح شرعاً فًي الإسلام» وأن العباد ملزمون بالانصياع له والتعبد به.


عبادةُ الله بالكتابً والسنة

وليست بأقوال الْمذهبيين وآراء المفكرين

وهكذا جرى في دماء من حياته الانقسام والاختلاف أن الدين مسألة خلافية، وهنا نقول: كيف سيكون حال المستَفْتًي إذا طلب الحكمَ بدليله الْمباشر من الكتاب والسنة؟ عباد الله! عليكم بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحساني إلَى يوم الدين، واطرحوا مقولة أن: [المسأَلَة خًلافية...فيها خلاف...اختلف الفقهاء]، واعلموا ان دين الإسلام لا يعرف الأغلال الًتي جاؤوا بًها، قال تعالَى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لَهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [الأعراف : 157].


هذا دين يُسر لا دينُ اختلاف


قال تعالَى:(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لًلذًّكْرً فَهَلْ مًن مُدَّكًر) [القمر : 17]، وقال:(فَإًنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بًلًسَانًكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [الدخان:58]، قال تعالَى:( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) [الحج : 78]، وقال تعالَى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة : 85]، ودعا إلَى العمل على قدر الاستطاعة وقال: ( فاتقوا الله ما استطعتم ) [التغابن : 116]، (لاَ يُكَلًّفُ اللَّهُ نَفْسًا إًلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، وروى البخاري فًي صحيحه (39) في كتاب الإيمان - باب الدًّينُ يُسْر ـ من حديث أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ الله عنه، عَنً النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إًنَّ الدًّينَ يُسْر)). وهنا سيقف العباد علَى الحق بكل سهولة ويسر ويعرف الناس أن الدين ليس مسائل خلافية وأن الدين واحد، والمعبود واحد، والنَّبًي الذي أرسل إلينا وأُمرنا باتباعه واحد. والحمد لله علَى توفيقه وإحسانه أن يسر لًهًذه الأمة دينها الذي ارتضاه لَها.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 25/6/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127