الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

(لا تَغلًبَنَّكُم الأَعرابُ على اسمً صلاتًكُم) الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 25 / 08 / 2009
                                

(لا تَغلًبَنَّكُم الأَعرابُ على اسمً صلاتًكُم)

من الغرابة أن يستدل لمشروعية الديموقراطية بأدلة الشورى التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة

كتب:د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نَبًيّ بعده» أما بعد:

إن من يخالط الناس ويبصر ويسمع كثيرا مما يقال، عند تناول أدنَى مسألة، سواء كان من عوام المسلمين أو المتعالمين أو طلبة العلم و المشايخ» يجد أَنَّهم بلا تأصيل واقعون تحت تأثير معرفًيّي غير مُحدد، يتغير بتغير الزمان والمكان، ما بين مَقروء ومَسموع ومَرئًيّ، فالمعلومات مُنوَّعة، والأفهامُ مضطربة، وعقول أكثر الناس تركوها مُشَاعة.


فجعلت أُصبعَيَّ في أُذُنَيَّ


وكان عليهم تحصين أنفسهم وحماية عقولهم وقلوبهم، كما ثبت وصح عن أبي هريرة في مسند أحمد (2/387) قال أبو هريرة: (فجعلت أُصبعَيَّ في أُذنَيَّ، ثم صحت، فقلت: صدق الله ورسوله الله الواحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ولذلك لا تنتظر وفاقا بين الناس و اتفاقا، فإنه من الطبيعي أن تكون النتائج مُختلفة، إن لَم تكن متضادة، فعندما لا يكون أصل التلقي والتوجيه واحدا» فَسَتَخْرًجُ عقولا تَحمل أفكارا مختلفة، وأفهاما متفرقة، وهذا جعل بعض الناس كلّي يُغَرًّدُ في وادي، و أكثرهم لا يعرف طريقاً للاتحاد. وما نراه من الخبط الكثير فًي الدين والغلط الفاحش هو بسب الألفاظ الموهمة والعبارات المجملة التي تؤدي إلى طرائق مختلفة، تخالف الحق وتحرف الخلق.


التمسك بلغة الكتاب والسنة لفظا ومعنى


ولذا نجد من الضرورة الدعوة إلَى الْمحافظة على الأسْماء والمصطلحات والألفاظ الشرعية، قال تعالَى: *فَإًنْ آَمَنُوا بًمًثْلً مَا آَمَنْتُمْ بًهً فَقَدً اهْتَدَوْا وَإًنْ تَوَلَّوْا فَإًنَّمَا هُمْ فًي شًقَاق * [البقرة: 137]، أي: في خلاف، وفرقة، ومنازعة، وقد بُليت الأمة بالخلافات، ونشأت الفرق لًما حدث من تعدي على الألفاظ الشرعية ولغة الكتاب والسنة، قال تعالَى: *يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تُحَرًّمُوا طَيًّبَاتً مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إًنَّ اللَّهَ لاَ يُحًبُّ الْمُعْتَدًينَ* [المائدة: 87]، وبلغت بًهم مجاوزة الحد إلَى أن ذهبوا إلَى استحداث أَسْماء غَيْرَ الأسْماء الشرعية، وألفاظ غير ألفاظ الكتاب والسنة، وتناولوا العقائد والعبادات بلغة واصطلاحات غير التي كان عليها المسلمون فًي القرون الأولَى، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بًما صلح به أَوَّلُها، فمن أعرض عما عليه الأوائل، وطلب الحق في غيره، يصدق عليه وأمثاله، قول الله تعالَى: *اسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى* [فصلت: 17]، وقال تعالَى: *بًئْسَ لًلظَّالًمًينَ بَدَلا* [الكهف:50].


الأخذ بالألفاظ الشرعية وتجنب الألفاظ المحتملة


أولا: روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه، أَنَّ النَّبًيَّ صلى الله عليه وسلم قال: »لا تَغْلًبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب«، قال: »وتقول الأعراب: هي العشاء«. وروى مسلم (644) في صحيحة من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل)). فقد يترتب على تَغَيُّر الاسم واستبداله أمور:


التسمية من الله ورسوله لا تترك لرأي أحد


(1) هجر الاسم الشرعي الذي اختاره الله وسَمَّاه فًي كتابه، وَسَمَّاه به نبيّه، والنهي جاء حتى لا يكون ذريعة لًهجر الاسم الأول.

(2) قال بعض أهل العلم: العادة أن العظماء إذا سَموا شيئاً باسم» فلا يليق العدول عنه إلى غيره، لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق.

(3) قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (2/207): باب مَنْ كَرًهَ أَن يقال لًلمغرب العشاءُ. قال المهلب: إًنَّما كره أن يقال للمغرب العشاء والله أعلم» لأن التسمية من الله ورسوله لا تترك لرأى أحد لقوله تعالَى: *وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ* [البقرة : 31]

.

هجر الاسم الشرعي للصلاة أخل بًمواقيتها


(4) يقع الخلل فًي وقت صلاة المغرب والعشاء تبعا للاسم المنقول إليه، فيحصل تغيري في أوقات الصلاة وتأخيري لَها. قال البغوي في شرح السنة (2/221): معنى الحديث: لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخرونَها، ولكن صلوها إذا حان وقتها.اهـ ولذلك تجد كثيرا من العبادات هجرت وذهبت معالمها لطمس أسمائها. قال ابن القيم في زاد المعاد (2/319): وهذا محافظة منه صلى الله عليه وسلم على الأَسْماءً التًي سَمَّى اللهُ بَها العبادات فلا تُهجر، ويؤثر عليها غيرها، كما فعله الْمُتأخرون فًي هجران ألفاظ النصوص وإيثار الْمُصطلحات الْحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ما الله به عليم.اهـ

تجنب الألفاظ المجملة والمحتملة والموهمة

ثانيا: قال الله تعالَى:*يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعًنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا* [البقرة: 104]، وفي قوله: *لاَ تَقُولُوا رَاعًنَا*» أي : وراعنا من المراعاة، وأرعنا سَمعك» أي: فرغه لكلامنا، واليهود يحرفونه يريدون به الرعونة، وقال في تاج العروس: «لا تَقولوا راعًنا» فإنَّهم إنَّما نُهوا عن ذلك لأنَّ اليَهودَ كانوا يقصدون استعمالَه من الرُّعونة لا من الرًّعاية، وفي قوله: *وَقُولُوا انْظُرْنَا*» أي: أفهمنا وبين لنا، أو أمهلنا، أو أقبل علينا وانظر إلينا، وكان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم: راعنا، وجاء النهي عن هذا اللفظ، فإنه كان بلسان اليهود سباً، فلما سَمعوا المسلمين يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم راعنا» طلباً منه أن يراعيهم من المراعاة، وجدوها فرصة وسبيلا، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مُبْطًنًين أَنَّهم يقصدون السبَّ الذي هو: معنى هذا اللفظ في لغتهم، فنُهًيَ المؤمنون عنها، وأمروا بًما هو في معناها وهو: *وَقُولُوا انْظُرْنَا*» أي: أقبل علينا، وانظر إلينا.


وإليك فوائد من هذا الدليل:

(1) أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسبّ، والنقص.

(2) في تجنبها سدي للذريعة ودفعي للوسيلة، وقطعي لًمادة الفساد، وإن لَم يقصد المتكلم بَها ذلك المعنى المفيد للشتم.

(3) أمر الله المؤمنين بأن يخاطبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بًما لا يحتمل النقص، ولا يصلح للتعريض:

(أ): لئلا يتخذ ذريعة إلَى سب النبي صلى الله عليه وسلم. (ب): وكي لا يشتبه بًمن يريد شرا بَهذا الدين فتمنع الألفاظ الموهمة حتى يميز الصالح من الطالح. (ج): وحتى لا يتكلم الناس بألفاظي تحتمل معانيَ فاسدة. (د) يستفاد منه أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.


الابتعاد عن الإسلام النقي الأصيل


ـ لا تغلبنكم المقلدة على عبادتكم: مُجاوزة الحدًّ في تعظيم المذهبيين لمذاهبهم» جعلهم لا يرفعون رأسا لكلام الله وكلام رسوله، وتبع ذلك ابتعاد ومعاداة للإسلام النقي الأصيل، فلا يصرفنكم أحدي عن محبة نبيكم، وعبادة ربكم على الوجه الشرعي، وانظر إلى قول الشوكاني في تفسيره الموسوم بـ (فتح القدير): أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولَم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا: كذا، وقال فلان من أتباعه: بكذا، وإذا سَمًعوا من يَستدلَّ على تلك المسألةً بآية قرآنية أو بًحديث نَبَويّي سخروا منه، ولَم يرفعوا إلى ما قاله رأسا ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتَّى جعلوا رأيه القائل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدما على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها ؟! والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم، فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم.اهـ


*وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ*


ـ لا يغلبنكم أحد على اسم الشورى: يتناقل بعض الناس اسم (الديموقراطية المستوردة) بديلا عن الشورى، وهما يختلفان اختلاف الليل والنهار، ونقول يسعنا ما وسع المسلمون في الخلافة الراشدة، والعهد الأموي والعهد العباسي، فأسوأ مرحلة في إدارة الدولة وسياسة الشعوب في ذلك العهد، تفوق المرحلة الذهبية للديموقراطية في أي بلد كان، ومن الغرابة أن يستدل لمشروعية (الديموقراطية) بأدلة الشورى التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، قال الله تعالَى: *وَشَاوًرْهُمْ فًي الأَمْرً*[آل عمران: 159]، وقال تعالَى: *وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ* [الشورى: 38]،أي: ذو شورى لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وقال الراغب: الْمَشورة استخراج الرأي بًمراجعة البعض إلَى البعض، من قولًهم: شرت العسل وأشرته استخرجته، والشورى الأمر الذي يتشاور فيه.


القول ممن لا يستشير أهل العلم والدين

قال القرطبي فًي التفسير: قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: *وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ* [الشورى: 38]، قال أعرابي: ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل: وكيف ذلك ؟ قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم وقال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتًها، وكان يقال: ما ندم من استشار وكان يقال: من أعجب برأيه ضل. اهـ ولذا ثبت في السنة استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فقد روى البخاري (7370) في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأَثنَى عليه وقال: ((ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي ما علمت عليهم من سوء قط). والشورى دأب أصحابه من بعده.

ـ لا تغلبنكم المعطلة على أسماء ربكم وصفاته: ولا يعبث الفلاسفة وأهل الكلام بعقائد المصلين.

ـ ولا يغلبنكم أحد على اسم شعيرة من شعائر الإسلام، و في هذا العمل حفظ للدين، والحمد لله رب العالمين.




د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 14/4/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127