الشيخ عبدالمحسن العباد البدر

تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج (8) الشيخ العلامة/ عبد المحسن بن حمد العباد البدر

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج (8)

الشيخ العلامة/ عبد المحسن بن حمد العباد البدر





الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

نكمل ما بدأناه في العدد السابق في الرد على الكتابة المسماة (افعل ولا حرج):

زعمه أن من لم يجد مبيتاً بمنى يبيت حيث شاء

السادس عشر: قال الكاتب (ص: 98): (ومن الرخصة ما يتعلق بالمبيت بمنى، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وكان جماعة من فقهاء الصحابة يرون وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق على من قدر على ذلك ووجد مكاناً يليق بمثله،وهو قول الجمهور، لكن دلت الأدلة على سقوط المبيت عمن لم يجد مكاناً يليق به وليس عليه شيء، وله أن يبيت حيث شاء في مكة أو المزدلفة أو العزيزية أو غيرها، ولايلزمه المبيت حيث انتهت الخيام بمنى).

وأقول: هذا ما ذكره الكاتب فيمن لم يجد مكاناً بمنى للمبيت ليالي التشريق، وأما اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، فقد جاء في مجموع فتاواها (266/11): (أماكن الحج وأزمنته محددة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وقال فيها: (خذوا عني مناسككم» فلعلي لاألقاكم بعد عامي هذا)، وبيَّن فيها الأزمنة والأمكنة، وحدود منى من وادي محسًّر إلى جمرة العقبة، فعلى من حج أن يلتمس مكاناً له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولاشيء عليه)،

وفي فتوى اللجنة الدائمة الاحتياط في العبادة والبعد عن الترفه ومشابهة الحجاج بعضهم بعضاً في النزول في مشعر منى وما اتصل به وقرب منه، وهذا بخلاف ما قاله الكاتب» فإن فيه تمكين بعض الحجاج من الترفه والنزول في أرقى الفنادق بمكة، مع أنه قال في (ص: 63): (من مقاصد الحج العظيمة أن يتربى الناس على ترك الترفه والتوسع في المباحات!).

توهينه الأخذ بأثر ابن عباس في الدماء

السابع عشر:قال الكاتب (ص: 101): (ومن التيسير عدم إرهاق الحجيج بكثرة الدماء» فإن الفتوى أحياناً تُلزم الحاج بدم كلما ترك واجباً، بناء على أثر ابن عباس رضي الله عنه: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)، وهو أثر صحيح ولكنه فتوى واجتهاد، وقد كان كثير من السلف لا يُلزمون به، ولكنهم يراعون حال السائل من الغنى والفقر وغير ذلك، وقد أسقط الشارع بعض الواجبات، كطواف الوداع عن الحائض والمبيت بمنى عن الرعاة ومن في حكمهم إلى غير بدل، ولم يلزمهم بشيء، وهذا ثابت معروف في السنّة، بينما في فعل المحظور ورد حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في الإذن بحلق الرأس مع الفدية، ولم يثبت في السنّة المرفوعة خبر في إيجاب الدم لترك الواجب، ويمكن أن يراعى في هذا أحوال الناس!).

وأقول: إيجاب الدم على من ترك واجباً في الحج أو العمرة قول جمهور العلماء، ومستندهم في ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً) رواه مالك في الموطأ (419/1) بإسناد صحيح، قال ابن رشد في بداية المجتهد (324/1) بعد ذكر المواقيت: (وجمهور العلماء على أن من يخطئ هذه وقصدُه الإحرام فلم يحرم إلا بعدها أن عليه دما)، وقال ابن قدامة في المغني(73/5): (وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم، لانعلم فيه خلافاً عند من أوجب الإحرام من الميقات).

وفي قول الكاتب عن أثر ابن عباس: (وهو أثرصحيح، ولكنه فتوى واجتهاد) توهين الأخذ بهذا الأثر، وقد قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (148/4) في تعظيم فتاوى الصحابة رضي الله عنه: (فتلك الفتوى التي لم يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه:

أحدها: أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن يكون سمعها ممن سعها منه.

الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفي علينا.

الرابع: أن يكون قد اتفق عليها مَلَؤهم ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.

الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب إتباعها.

السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في فهمه، والمراد غير فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة، ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمالي من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، هذا ما لايشك فيه عاقل، وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال مَن بعده، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين).

ثم ذكر الفرق بين الصحابة الذين شغلُهم الشاغل عًلمُ الكتاب والسنّة وفهمُ معانيهما، وبين غيرهم ممن له اشتغال بهما وبغيرهما، ومما قاله في ذلك (149/4): (فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالَّة فأعطي بحسب ذلك)، وقوله (150/4): (فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه، فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو مَن قلَّدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟! ومن حدَّث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم، والله المستعان).

وقال أيضاً (152/4): (قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنّة، وقف حيث وقف القوم، واسلك سبيل سلفك الصالح»فإنه يسعك ما وسعهم، وقلْ بما قالوا، وكُفًّ عما كفوا، ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم» فإنهم لم يُدَّخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم له وبعثه فيهم، ووصفهم فقال: (مُّحَمَّد رَّسُولُ اللَّهً وَالَّذًينَ مَعَهُ أَشًدَّاء عَلَى الْكُفَّارً رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) (الآية).

وللحديث بقية بإذن الله تعالى



تاريخ النشر: الاثنين 17/3/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127