الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

غار حراء (5) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                




غار حراء (5)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



بشرت التوراة والإنجيل ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكان أهل الكتاب يعلمون بأنه سيبعث نبي وقد ذكرت لهم صفاته حتى يؤمنوا به ويتبعوه، قال تعالى (الَّذًينَ يَتَّبًعُونَ الرَّسُولَ النَّبًيَّ الأُمًّيَّ الَّذًي يَجًدُونَهُ مَكْتُوباً عًندَهُمْ فًي التَّوْرَاةً وَالإًنْجًيلً يَأْمُرُهُم بًالْمَعْرُوفً وَيَنْهَاهُمْ عَنً الْمُنكَرً وَيُحًلُّ لَهُمُ الطَّيًّبَاتً وَيُحَرًّمُ عَلَيْهًمُ الْخَبَآئًثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إًصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتًي كَانَتْ عَلَيْهًمْ فَالَّذًينَ آمَنُواْ بًهً وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذًيَ أُنزًلَ مَعَهُ أُوْلَـئًكَ هُمُ الْمُفْلًحُونَ) [الأعرافـ 157].

فبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ستكون رحمة لهم، لأنه سيضع عنهم الأعمال الشاقة، ويحل لهم الطيبات ويمنعهم مما خبث، ويدلهم على الخير النافع وينهاهم عن المنكر الضار الذي يفسد عليهم حياتهم، وهذا النبي من صفاته أنه لا يعرف الكتابة والقراءة فهو أميّ، وكون النبي صلى الله عليه وسلم أمي يدل على صدقه فيما يخبر به من الوحي عن ربه عز وجل، وأن القرآن وحي منزل من الله، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب فلا سبيل إلى اتهامه بتأليف القرآن من عنده، فالقرآن كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بشر ببعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نبي الله عيسى عليه السلام (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) [الصفـ 6].



حاجة البشر إلى الوحي



لا يمكن للبشرية أن تعرف ربها وتعلم صفاته وأسماءه الدالة على عظمته إلا عن طريق الوحي، ولا يمكن العمل بما يرضي الله وعبادته على الوجه الصحيح إلا عن طريق الوحي، ولا نستطيع معرفة ما وراء الغيب عن عالم آخر، ونعلم الغاية من الخلق إلا عن طريق الوحي، وكل الأنبياء علموا ببعثتهم إلى أقوامهم عن طريق الوحي، والوحي على عدة أنواع:

1ـ الوحي عن طريق التكليم كما حصل مع النبي موسى عليه السلام قال تعالى (وكلم الله موسى تكليما)، وعندما رجع موسى من مدين رأى ناراً فقال لأهله سأذهب تجاه النار ولما وصل إلى محل الإضاءة كلمه الرب جل وعلا (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودًي يَا مُوسَى*11* إًنًّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إًنَّكَ بًالْوَادً الْمُقَدَّسً طُوًى*12* وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمًعْ لًمَا يُوحَى*13* إًنَّنًي أَنَا اللَّهُ لَا إًلَهَ إًلَّا أَنَا فَاعْبُدْنًي وَأَقًمً الصَّلَاةَ لًذًكْرًي*14* إًنَّ السَّاعَةَ ءاَتًيَة أَكَادُ أُخْفًيهَا لًتُجْزَى كُلُّ نَفْس بًمَا تَسْعَى*15*) [طه]، ولذلك يسمى النبي موسى عليه السلام كليم الله، وعندما كلم موسى ربه طلب رؤية الله فقال الله له (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) [الأعرافـ 143]، ولما رأى موسى الجبل يندك سقط مغشيا عليه فلما آفاق اعتذر لربه وعلم موسى أنه حصل له الكلام مع الرب وأنه لا يمكن رؤية الله في هذه الدنيا، والرؤية للرب ستكون للمؤمنين في الآخرة لقوله تعالى (وجوهي يؤمئذي ناضرة إلى ربها ناظرة).

2ـ الوحي عن طريق إنزال الملك كما حصل من نزول جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء وبدأ بقوله تعالى (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ثم تتابع الوحي حتى تلقى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كاملا على مدى ثلاث وعشرين سنة قال تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)، فالقرآن وحي من الله وهو كلام الله قام بنقله الملك جبريل إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقد أنزله الله لتتم تلاوته وتدبره والعمل به فهو حجة الله على خلقه.

3ـ الوحي عن طريق الرؤيا المنامية كما حصل مع النبي إبراهيم عليه السلام (قال يا بني إني أرى اني أذبحك) ولا يمكن أن يقدم إبراهيم عليه السلام على ذبح ابنه لولا أن الرؤيا التي رآها هي وحي من رب العالمين وعليه أن ينفذها، فقد يكون الوحي للأنبياء عن طريق الرؤيا المنامية وقد يطلق الوحي على الإلهام قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) [النحلـ 68].



كيف كان يأتي الوحي النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟



روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول«، قالت عائشة رضي الله عنها: »ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم شديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا«.

قال ابن حجر في الفتح: (الصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي قال الخطابي: صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وقيل هو صوت حفيف أجنحة الملك. (وهو أشده علي) يفهم منه أن الوحي كله شديد ولكن هذه الصفة أشدها وهو واضح لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة اشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود.

(فيفصم): الفصم: القطع، إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود الملك جبريل ينزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بهيئات متعددة:

1ـ أن ينزل على صورته الحقيقية ويراه النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الهيئة قال تعالى (ولقد رآه بالأفق المبين) فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها.

2ـ ينزل جبريل عليه السلام بالوحي ويكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيسمع صوته ولا يراه، كما في حديث البخاري (يأتيني مثل صلصلة الجرس)، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة ثم قال لي: "مكانك لا تبرح حتى آتيك"، ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعت صوتا قد ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم فاردت أن آتيه فذكرت قوله (لا تبرح حتى آتيك)، فلم أبرح حتى آتاني فقلت: لقد سمعت صوتا تخوفت منه قال: »وهل سمعته«؟ قلت: نعم، قال: »ذاك جبريل آتاني، فقال: من مات من امتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة« [متفق عليه].

3ـ يتمثل الملك جبريل عليه السلام على هيئة البشر ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويخاطبه ففي الحديث (وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني) [رواه البخاري]، وقد رأى الصحابة الملك جبريل على صورة رجل جاء ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة ليستفيد منها الصحابة والأمة بعد ذلك والحديث طويل ونذكره باختصار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر سفر، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإحسان والساعة واجابه النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر: ثم انطلق فلبث مليا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل اتأكم يعلمكم دينكم. [رواه مسلم].

وكان الصحابة يعرفون أهمية الوحي وهذه أم أيمن رضي الله عنها تبكي وتسأل عن سبب بكائها فتقول: لانقطاع الوحي بموت الرسول صلى الله عليه وسلم. عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما ابكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. [رواه مسلم].



غار حراء وغار ثور



حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم جهاد متواصل فهو من دعوة ومقارعة للكفار بالحجة لابطال عبادتهم لغير الله إلى هجرة لمكان ينصر فيه دين الله وفي هذه الهجرة يطارده الكفار لينالوا منه، فيعمد إلى الأخذ بالأسباب فيختبئ عنهم في غار ثور قال تعالى (إًلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إًذْ أَخْرَجَهُ الَّذًينَ كَفَرُواْ ثَانًيَ اثْنَيْنً إًذْ هُمَا فًي الْغَارً إًذْ يَقُولُ لًصَاحًبًهً لاَ تَحْزَنْ إًنَّ اللّهَ مَعَنَا) [التوبةـ 40]، وكان صاحبه في غار ثور الصديق أبي بكر رضي الله عنه الذي يقول عنه ابن القيم: (نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار، أترى لم يسمعوا (ثاني اثنين إذ هما في الغار) دعي إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فما زل ولا كبا، كان قرين النبي في شبابه، من ذا الذي سبق إلى الإيمان أصحابه، من أول من صلى معه، من آخر من صلى به، من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار، كم وقى الرسول بالمال والنفس، فضائله جلية وهي خلية عن اللبس، لقد دخلا غارا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول (ما ظنك باثنين والله الثالث)، فنزلت السكينة، فارتفع الحادث، فزال القلق وطاب العيش الماكث، فقام منادي النصر ينادي (ثاني اثنين إذ هما في الغار) حبه والله من الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية).



لا حزن مع الله



قال تعالى (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) وعلمنا أن الغار هو غار ثور، ومن فيه هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه والهجرة حصلت بأمر من الله، والله هو القوي العزيز وهو يراهم ويسمعهم وسينصرهم على الكفار فهو المالك المتصرف، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي للحزن.

قال ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين : (إن من عرف الله احبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشف عن قلبه الغموم والهموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدا ولهذا قال حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم إنه قال لصاحبه أبي بكر (لا تحزن إن الله معنا) فدل على أنه لا حزن مع الله وأن من كان الله معه فماله وللحزن، وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل له الله فعلى أي شيء يحزن ومن فاته الله فبأي شيء يفرح). أ هـ

وهذه الآية الكريمة من الآيات التي فيها مواساة لأهل الإيمان للزوم الدين والثبات عليه فإنها لا بد وأن يحصل للصابر فرح بعد الشدة، وإنما ذكرنا غار ثور لأن له علاقة بالهجرة، كما أن لغار حراء علاقة بأول نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الوحي الذي حصل منه الخير لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأتباعه وحصلت به معرفة الحق من الباطل، وليس من العبادة زيارة هذين الغارين أو الدعاء عندهما ولكن جاء الحديث عنهما لعلاقتهما بنبوة وسيرة خير البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.



تاريخ النشر: الاثنين 21/7/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :


الاسم: شريفة
البلد: الفجيرة
التعليق: ما شـآاء الله هذه الشخــــصية عجــبتني كثير تدل على إنها إمرأة صالحـــــــــــــــــــــة و مطيعة لزوجــها و شجاعتها و كرمها- للرســول صلى الله عليه و ســلم - عندما شقت نطاقها إلى نصفين أحدهما للرسول أي الهجرة و الآخــــــــر للقربى

و شكـــــــــراً




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127