الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

غار حراء (4) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


غار حراء (4)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



الكون كله يشهد بوجود الله وعظمته وحكمته وحسن تدبيره لشؤون خلقه، قال تعالى (وَمًنْ آيَاتًهً خَلْقُ السَّمَاوَاتً وَالْأَرْضً وَاخْتًلَافُ أَلْسًنَتًكُمْ وَأَلْوَانًكُمْ إًنَّ فًي ذَلًكَ لَآيَات لًّلْعَالًمًينَ) [الرومـ 22]، ومن يتفكر في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما لا يجد أي خلل في بديع صنع الله لما خلق، قال تعالى (صُنْعَ اللَّهً الَّذًي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء إًنَّهُ خَبًير بًمَا تَفْعَلُونَ) [النملـ 22].

فكل شيء فيه دلالة على ربوبيته وأنه الخالق الواحد المستحق للعبادة وأن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى.

واعجباً كيف يعصى الإله

أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه الواحد



الله الخالق لا إله إلا هو



الله وحده لا شريك له هو المستحق للعبادة لأنه الخالق الذي خلق الخلق لعبادته (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وهو الخالق للأفلاك ولكل شيء فهو الخالق للشمس والقمر (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) [فصلتـ 37]، ولا يجوز صرف أي نوع من العبادات لغيره فلا تصرف العبادة للحجر أو الشجر أو الملائكة أو البشر ولا لأحد غير الله، ولا يصح أن يشرك معه غيره ويتخذ من دونه أندادا يعظمون ويدعون كما يعظم الله، تعالى الله عما يعمل الظالمون علوا كبيرا، وسبحانه وبحمده فهو الغني وغيره محتاج إليه.



»سيقولون لله«



قريش تقر بتوحيد الربوبية فهم لا ينازعون في أن الخالق الرازق المحيي المميت هو الله، قال تعالى (قُل لًّمَنً الْأَرْضُ وَمَن فًيهَا إًن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لًلَّهً قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتً السَّبْعً وَرَبُّ الْعَرْشً الْعَظًيمً سَيَقُولُونَ لًلَّهً قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بًيَدًهً مَلَكُوتُ كُلًّ شَيْءي وَهُوَ يُجًيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهً إًن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لًلَّهً قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [المؤمنون: 84ـ 89].

وفي هذه الآيات الكريمة ما يبين بأنهم كانوا يقرون بأن الخالق القوي المغيث الذي لا يستطيع أحد أن يتحدى أمره، فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يعبدونه وحده؟ ولماذا لا يقرون بالبعث؟ فمن خلق هذه المخلوقات العظيمة فإحياء الأموات أمر هين عليه، وما حصل من قريش هو إشراك في توحيد الإلوهية فهم كانوا يشركون مع الله الآلهة الأخرى ويتخذون الوسطاء بينهم وبين الله، قال تعالى (أَلَا لًلَّهً الدًّينُ الْخَالًصُ وَالَّذًينَ اتَّخَذُوا مًن دُونًهً أَوْلًيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إًلَّا لًيُقَرًّبُونَا إًلَى اللَّهً زُلْفَى) [الرومـ 3]، وجاء الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أن ما هم عليه شرك لا يقبله الله وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحذرهم ويمنعهم منه.



الأدلة العقلية على أن الخالق واحد



قال الله جل وعلا (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله عما يشركون) [الأنبياءـ 22]، العقل السليم يدل على أن الإله الخالق المدبر هو الله وحده لا شريك له، ولا يتصرف في الكون والخلق والرزق أحد غير الله ولا يشترك مع الله في ذلك لا نبي ولا ولي ولا سيد ولا قطب ولا ملك ولا إنس ولا جان، فله الحكم وحده وله علم الغيب وحده، ولو سلمنا جدلا بوجود أكثر من متصرف في الكون لحصل بينهم الخلاف والشقاق وفسد الكون، ولو افترضنا وجود الإلهين لحصل بينهما النزاع لطلب التفرد في التصرف، ولوجدنا التباين في تدبير شؤون الخلق، فمثلا الأول يريد أن يكون حجم الشمس بمقدار كذا والآخر يريد خلاف ذلك، والأول يريد أن تكون الشمس مضيئة بلا حرارة والثاني يريد خلاف ذلك، والأول يقضي بإنزال المطر لبلد معين والثاني يرفض ذلك ويرغب في منع القطر عنهم، وهكذا في جميع شؤون الخلق، فصدق الله العلي الأعلى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فالسماوات والأرض وما فيهما تحت مشيئة الحكيم الخبير (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) [السجدةـ 7]، فالله وحده هو الخالق الذي لا سبيل لإنكار وجوده وعظمته، ووجوده من المسلمات التي لا يحصل النقاش فيها إلا مجاراة لأهل الجحود لإفحامهم وإزالة تلبيسهم على الجهال ودحض شبهاتهم.

لك الحمد يا ذا العرش يا خير معبود

ويا خير مسؤول ويا خير محمود

شهدنا لك اللهم أن لست محدثا

ولكنك المولى ولست بمجحود



بطلان مذهب الملاحدة



الإلحاد وجحود الخالق أمر مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالفطرة هي أصل الخلقة، والإنسان بفطرته يعرف وجود ربه ويقر بذلك وعنده شعور بضعفه وحاجته إلى ربه في جميع مراحل حياته، وقد وهب الله الإنسان العقل وهذا العقل يهدي الإنسان إلى الإيمان بالله وأنه لا يمكن أن يوجد هذه المخلوقات من دون خالق، وعندما سئل الأعرابي عن وجود الخالق قال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، أسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، وأرض ذات فجاج، لا تدل على العليم الخبير؟!، ولذلك لم يحصل الجدال بين الأنبياء وأقوامهم في وجود الرب إلا نادرا، وإنما يحصل الجدال في قضية البعث وفي كيفية عبادة الرب وهل يجوز إشراك معه غيره في العبادة، أما إثبات وجود الخالق فهذا لا يحتاج إلى كثرة جدال فهو أمر فطري قال تعالى (قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى)، وما حصل من فرعون عندما قال (ما علمت لكم من إله غيري) ما هو إلا مكابرة وغطرسة وعلواً في الأرض ففرعون يعلم انه ليس هو الرب وأن الله هو الخالق قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) فالنفس البشرية تعلم أن لها خالقا عظيما، وما يحصل من انصراف عن عبادة الخالق هو بسبب الشياطين وما يعترض ا لإنسان من شبهات وشهوات، فإذا آمن بربه وعمل صالحا زالت الشبهات وقهر الشهوات وضعف كيد الشيطان (إن كيد الشيطان كان ضعيفا)، والشيطان لا يصمد طويلا أمام صادق الإيمان وفي هذا العصر ظهر الإلحاد باسم الشيوعية التي دعت إلى محاربة الأديان السماوية وأعلنت (لا إله والحياة مادية)، فجاءت الشيوعية بما يخالف الفطرة ويناقض العقل الصحيح والأدلة العقلية على إثبات وجود الخالق ولذلك فشلت الشيوعية في إقناع الناس ولجأت إلى القوة وسلطة الدولة لإلزام الناس بمذهبهم الباطل، وكانت تحاسب الناس على اعتناقهم للدين، ولجأ كثير من الناس إلى عبادة الله سراً، وسقطت الشيوعية وثبت عدم صلاحيتها لإدارة حياة البشر، وبقي الحق عاليا (الله هو الخالق وهو المستحق للعبادة).



مناظرة بين إبراهيم عليه السلام وملحد



اراد نبي الله إبراهيم عليه السلام أن يقنع النمرود بأن الخالق هو الله فقال إبراهيم (إن الله يحيي ويميت) قال النمرود (أنا أحيي وأميت)، قيل إن النمرود جاء برجلين حكم عليهما بالقتل فأمر بقتل احدهما وعفا عن الآخر، وزعم أنه يحيي ويميت وكان النمرود ملكا عاتيا صاحب جدل، فقال له إبراهيم (إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) فكانت حجة إبراهيم قوية ودلت على عجز النمرود وأصاب الذهول الملحد قال تعالى (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين)، وكل من يجادل في وجود الخالق وينكر وجود ربه فهو مكابر لأن آيات الله الكونية كالشمس والقمر والأرض والبحار وما فيها من عجائب تدل على خالقها، وفي خلق الإنسان وما يحمل من عقل وسمع وبصر يدل على الخالق قال تعالى (وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون) فآمنا بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا.



توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية



من شهد بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت السميع العليم الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه المصير، يلزم من تلك الشهادة أن يشهد بأنه لا معبود بحق إلا الله لأنه الخالق، فالذي تصرف له العبادة الله والذي يدعى هو السميع المجيب القادر على كل شيء، ومن يكشف الضر هو عالم الغيب الله لا إله إلا هو فمن أقر بتوحيد الربوبية، واكثر الخلق على ذلك، لزمه أن يقر بتوحيد الإلوهية ويعمل بمقتضاه فلا يصرف شيئا من العبادات لغير الله، ويعبد الله وحده ولا يشرك معه غيره، قال تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مًمَّنً افْتَرَى عَلَى اللّهً كَذًباً أَوْ كَذَّبَ بًآيَاتًهً أُوْلَـئًكَ يَنَالُهُمْ نَصًيبُهُم مًّنَ الْكًتَابً حَتَّى إًذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مًن دُونً اللّهً قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهًدُواْ عَلَى أَنفُسًهًمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافًرًينَ) [الأعرافـ 37] ولن تجد النفس البشرية الاستقرار والاطمئنان والسعادة إلا في ظل الإيمان بالله والعمل بما يرضيه وفق ما شرع.



تاريخ النشر: الاثنين 14/7/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127