الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

غار حراء (2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


غار حراء (2)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو النور الذي يهتدى به للخروج من ظلمات الشرك والجهل إلى نور العلم والتوحيد، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الشك والحيرة والقلق إلى نور اليقين، ومن ظلمات الباطل والجور والطغيان إلى نور الحق والعدل، قال تعالى (قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيًّنُ لَكُمْ كَثًيراً مًّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مًنَ الْكًتَابً وَيَعْفُو عَن كَثًير قَدْ جَاءكُم مًّنَ اللّهً نُور وَكًتَاب مُّبًين يَهْدًي بًهً اللّهُ مَنً اتَّبَعَ رًضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمً وَيُخْرًجُهُم مًّنً الظُّلُمَاتً إًلَى النُّورً بًإًذْنًهً وَيَهْدًيهًمْ إًلَى صًرَاط مُّسْتَقًيم)[المائدة: 15 ـ 16].



النبي محمد صلى الله عليه وسلم ابن الذبيحين



العرب من سلالة إسماعيل عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم من العرب ونسبه متصل إلى جده إسماعيل عليه السلام، وقصة الذبيح إسماعيل ذكرت في كتاب الله (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) واستسلم الابن لحكم ربه

قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين

واستجاب الأب إبراهيم لأمر ربه

فلما اسلما وتله للجبين

وقد تعرض إبراهيم في هذا الموقف إلى بلاء عظيم واختبار في صدق محبته لربه (إن هذا لهو البلاء العظيم)ولما علم الله صدق إبراهيم في محبته لربه وأنه لا أحد أعظم محبة في قلب إبراهيم من ربه حتى ابنه إسماعيل أقرب الناس إليه لما علم الله صدق عبودية إبراهيم جاء الفرج والفداء للابن قال تعالى (وَفَدَيْنَاهُ بًذًبْح عَظًيم)[الصافاتـ 107]. (والذبيح الثاني) هو والد محمد صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عبدالمطلب فيروى أن عبدالمطلب نذر أنه إذا ولد له عشرة من الولد فسيذبح أحدهم، فلما ولد لعبدالمطلب عشرة من الولد أراد الوفاء بنذره ويذبح أحدهم فعمل قرعة بين أبنائه العشرة فوقعت القرعة على ابنه عبدالله، ولما علمت قريش اعترضت على عبدالمطلب وقالت (لا نُعيّر بأننا نذبح أبناءنا) واقترحوا عليه أن يفديه بعشر من الابل يذبحها، وعمل قرعة بين الذبح أو الفدية فوقعت القرعة على الذبح فأخذوا يزيدون في الفدية ويعملون القرعة وتقع على الذبح حتى وصلوا إلى الفدية بمائة من الإبل فوقعت القرعة على الفدية، فذبح عبدالمطلب مائة من الإبل وتركها يأكل الناس منها لا يمنع أحداً، وعاش عبدالله (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً)، عاش عبدالله لينجب خير البشر وخاتم الأنبياء والمرسلين والقصة ذكرها ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ج1 ص 505.



مولده صلى الله عليه وسلم



ولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بمكة في عام الفيل في شهر ربيع الأول وقيل أنه يوافق 20 من إبريل سنة 571 ميلادية ولد يوم الإثنين.

عن أبي قتادة رضي الله عنه أن أعرابياً قال: يا رسول الله ما تقول في صوم يوم الإثنين؟ فقال: »ذاك يوم ولدت فيه وانزل عليّ فيه« [رواه مسلم].

وعام الفيل هو العام الذي غزا فيه أبرهة الحبشي مكة وكان أبرهة وجنده يركبون الفيلة فسمي عام الفيل، وسبب غزوه لمكة هو أنه ابتنى كنيسة في اليمن وأراد أن يصرف الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام فعزم على هدم الكعبة المشرفة وسيّر الجيش باتجاه مكة، وفي طريقه كانت القبائل العربية تحذره وتبين له أن البيت الحرام له مهابة وأنه لم يقدم على مثل فعله أحد ولن يُمكن مما يريد وكان عاتيا لا يسمع لهم، وهم لا يستطيعون التعرض له لما يرون من عظمة جيشه وقوة بأسه، ولما وصل إلى مكة تعرض له عبدالمطلب وعرض عليه الأموال والأعطيات على ألا يمسّ البيت الحرام بسوء فأبى أبرهة واستعد لهدم الكعبة المشرفة، فانحاز عبدالمطلب ومن معه وأخذوا بالدعاء على أبرهة فقيل لعبدالمطلب أتدافع عن نسائك وذراريك وتترك البيت الحرام؟ فقال: إن للبيت رباً يحميه، ولا شك أن للبيت رباً يحميه فلما أراد أبرهة التقدم تجاه البيت الحرام بركت الفيلة وأبت النهوض فإذا وجهت شمالا أو جنوبا تحركت مسرعة وإذا وجهت للبيت لم تتحرك ضربت فلم تتغير عما هي عليه، في تلك اللحظات أرسل الله عليهم العقوبة فجاءتهم الطير عليهم والحجارة تنزل عليهم حتى أهلكهم الله.

ألا إن ربي قوي مجيد

لطيف جليل غني حميد

رأيت الملوك وإن عظمت

فإن الملوك لربي عبيد

وكم باد جمعي أولو قوة

وحصن حصين وقصر مشيد



سورة الفيل المنزلة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم



قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بًأَصْحَابً الْفًيلً (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فًي تَضْلًيل(2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهًمْ طَيْراً أَبَابًيلَ(3) تَرْمًيهًم بًحًجَارَة مًّن سًجًّيل(4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَّأْكُول(5)).

(ألم تر): الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو استفهام تقريري ويصلح لكل مخاطب، قال الشوكاني في تفسيره لهذه السورة: الفيل الحيوان المعروف جمعه فيلة وأفيال وفيول ولا يقال أفيلة،.

(كيدهم): مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة واستباحة أهلها.

الكيد: إرادة المضرة بالغير، وهم أرادوا أن يكيدوا قريش بالقتل والسبي ويكيدوا البيت بالخراب.

(في تضليل:) عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوا.

(طيراً أبابيل): جماعات متفرقة يتبع بعضها بعضا، قال قتادة: هي طير سود جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره لا يصيب شيئا إلا هشمه.

(سجيل): من الطين المتحجر بطبخ أو غيره.

(كعصف مأكول): كورق الزرع إذا أكلته الدواب وبقي منه بقايا شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه.

(العصف): قيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس وقيل هو التبر.



ما يستفاد من الآيات



ـ1 عظم قوة الله وشدة بطشه.

ـ2 أن الله يمهل ولا يهمل فأبرهة فكر وخطط وعزم وجمع وسيّر الجند ولم يقبل النصح حتى وصل للكعبة وجاءت ساعة هلاكه وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم »إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته«.

ـ3 شرف مكانة البيت الحرام ومن تشريفه نسبته إلى الله فيقال »بيت الله« والكعبة على شكل بيت فلها أربعة جدران وسقف ولها باب وهي مجوفة من الداخل، والعبادة منصرفة لرب الكعبة قال تعالى (فليعبدوا رب هذا البيت) وقد جعل الله الأفئدة تشتاق للذهاب إليها والاعين تسر برؤيتها وكل ذلك امتثالا لأمر الله الذي شرع الطواف حولها.

ـ4 الحذر من اتخاذ مزارات وأماكن تقدس لم يشرع الله الذهاب إليها وما يفعله أصحابها فيه صرف للناس عن بيت الله الحرام، فإن أبرهة أراد صرف الناس إلى مكان اتخذه في بلده، ولا يجوز شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى« [رواه البخاري ومسلم].

ـ5 جنود الله كثيرة ومنها الطير الأبابيل كما في هذه القصة، قال تعالى (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما)[الفتحـ 4].

ـ6 أخذ العبرة مما حصل للأمم السابقة فقد أنزل الله عقوبته بمن عصاه وخالف أمره، ومن عمل عملهم وخالف أمر ربه يمكن أن تحل به العقوبة في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى

وما هي من الظالمين ببعيد

[هود ـ 83].



بدعة الاحتفال بالمولد



قال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده ولم يأمر بالاحتفال بمولده ومحبته صلى الله عليه وسلم تكون بطاعته واتباعه والعمل بما يوافق سنته، والفرح بالانتساب إلى دينه يكون بإظهار الالتزام بما دعا إليه، والاحتفال بالمولد بدعة حدثت بعد القرون الثلاثة الأولى المفضلة، القرون القريبة من عهد النبوة، ولم يحتفل الصحابة رضوان الله عليهم بالمولد، والاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يماثله من احتفال لكل طريقة بمولد شيخهم وإذا فتح باب البدع فما أكثرها فأهل الإسلام الذين على المذهب الصحيح لا يحتاجون إلى هذه البدع، فأهل الإسلام الملتزمون به كل يوم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم ويصلون عليه، أليس في كل صلاة يذكر النبي صلى الله عليه سولم ويذكر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم من على المآذن مرات عديدة في اليوم والليلة فلسنا بحاجة إلى أن نتوقف يوما واحدا فقط لنحتفل بمولده، فالنبي صلى الله عليه وسلم قدوتنا في صلاتنا وحجنا وجميع الأعمال التعبدية فمن صدق في محبته لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فليجعل عبادته موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وليعمل بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويجتنب ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله أن يرزقنا اتباع سنته وأن يحشرنا في زمرته وللموضوع تكملة بإذن الله تعالى.



تاريخ النشر: الاثنين 30/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127