الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

نساء مسلمات صالحات (5) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


نساء مسلمات صالحات (5)

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها

كتب:عبد الرحمن بن ندى العتيبي

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وجعلنا من أمة مسلمة لا تعبد إلا الله، وهو سبحانه وبحمده الموفق لمن يشاء من عباده ولمن علم فيهم خيرا، قال تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء).



فمن الله وحده تطلب الهداية، وبه يستعاذ من الضلالة والغواية، وقد فصل لعباده أحكاما شرعية (وكل شيء فصلناه تفصيلا) وبين الحلال والحرام، ودعى عباده ذكورا وإناثا إلى سلوك طريق الخير والأخذ بالحلال واجتناب الحرام، ورتب على ذلك الشقاوة والسعادة، فمن التزم أمر ربه فهو التقي السعيد ومن خالف أمر ربه وعصاه فهو الشقي التعيس، قال تعالى: (يَوْمَ يَأْتً لاَ تَكَلَّمُ نَفْس إًلاَّ بًإًذْنًهً فَمًنْهُمْ شَقًيّ وَسَعًيد فَأَمَّا الَّذًينَ شَقُواْ فَفًي النَّارً لَهُمْ فًيهَا زَفًير وَشَهًيق خَالًدًينَ فًيهَا مَا دَامَتً السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إًلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إًنَّ رَبَّكَ فَعَّال لًّمَا يُرًيدُ وَأَمَّا الَّذًينَ سُعًدُواْ فَفًي الْجَنَّةً خَالًدًينَ فًيهَا مَا دَامَتً السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إًلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذ) [هود: 105ـ 108]، فالموفق من ابتعد عن الحرام حتى يسلم من الآثام، والعاقل من اكتفى بالحلال لينال رضا ربه فيسعد على الدوام.



رسالة تتضمن سؤالاً واقتراحاً







جاءتني رسالة تتضمن سؤالاً واقتراحاً وهذا نص الرسالة: (السلام عليكم، شيخنا نرجو من فضيلتكم كتابة مقالة في صفحة (الإبانة) عن حكم تشبه النساء بالرجال والعكس؟ وما جزاؤهم؟ وكيف نتعامل معهم مع الأدلة؟ نحن طالبات علم نريد الإفادة وجزيتم خيرا).







الرد على الرسالة







وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يسرنا اطلاع القراء على صفحة الإبانة واستفادتهم مما يكتب فيها، فهي تشتمل على الكلام في جميع أبواب الدين ففيها بيان العقيدة الصحيحة والدفاع عن جناب التوحيد والتحذير من الشرك والبدع والخرافات، والصفحة تسعى لنشر العلم الشرعي ودفع الجهل لأن الجهل باب شر ومرتع خصب لأصحاب المذاهب الباطلة، وفي الإبانة يكتب عن أركان الإسلام والأحكام الفقهية المتعلقة بذلك ويتم تبصير المسلمين بأهمية القيام بتلك العبادات العظيمة، ولها مواضيع تتعلق بالحث على التخلق بالأخلاق الإسلامية بما يؤدي إلى التآلف وأداء الحقوق ويوجد الترابط بين الأسرة وإصلاح ذات البين، وفي الصفحة توضيح لما في مناهج المخالفين للحق ويتم كشف أخطائهم وما يلبسونه على الأمة، لعلهم يرجعون إلى رشدهم، وليأخذ الآخرون الحيطة منهم، وفيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ونصح للأمة وتحذير للمسلمين من الانحراف والتفريط في دينهم أو مجاوزة الحد بالغلو والتنطع، وكل ذلك وفق كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وليس بدافع من الأفكار والآراء، وإنما كل شيء يذكر بدليله حتى نكون في إطار الشريعة الإسلامية، وبفهم أصيل للكتاب والسنة موافق لفهم الصحابة رضي الله عنهم لأنهم هم الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم وعقلوا عنه أحكام الشرع الحنيف وبلغوه لمن بعدهم قبل ظهور البدع والمذاهب والأفكار الداعية إلى التجديد على حساب الأصل والمرجع وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.



قال الإمام مالك رحمه الله: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما بما صلح به أولها".



حكم تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء



لا بجوز تشبه النساء بالرجال ولا تشبه الرجال بالنساء قال تعالى (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)، وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" [رواه البخاري].



وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل" [رواه أبو داود].



وقد جاء الوعيد الشديد لمن فعل ذلك، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه، والمرأة الرجلة المتشبهة بالرجال والديوث" [رواه النسائي وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي].







ما يستفاد من الأحاديث







1ـ الوعيد الشديد لمن تشبه من الرجال بالنساء ومن تشبه من النساء بالرجال.



2ـ تحريم تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء.



3ـ الذنوب صغائر وكبائر وتشبه الرجال بالنساء من الكبائر، وكذلك تشبه النساء بالرجال وهو من الكبائر لما اقترن به من اللعن، وقد قال العلماء يدل على الكبيرة اقتران الذنب بالوعيد بالنار أو اللعن أو وعيد شديد واللعن هو الطرد من رحمة الله ومن يطرد من رحمة الله فماذا بقي له؟!



ماذا يحصل به تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال



للتشبه قاعدة هي (كل ما اختص بالرجال شرعا أو عرفا تمنع منه النساء، وكل ما اختصت به المرأة شرعا أو عرفا يمنع منه الرجل).



ومن ذلك تحريم لبس الحرير والذهب على الرجال وإباحته للنساء، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حُرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].



وهذا الحكم بالتحريم لبس الرجل الحرير والذهب لغير حاجة ضرورية، أما إذا احتاج أن يلبس الحرير لحاجة كمن به حكة أو يتخذ الذهب لإزالة عيب فلا حرج في ذلك.



عن أنس رضي الله عنه قال: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما في لبس الحرير لحكة كانت بهما" [متفق عليه].



وجرح أنف صحابي في الحرب فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أنفه جرحت فاتخذ أنفا من فضة فأنتنت فأذن له أن يتخذ أنفا من ذهب. [رواه أبو داود].



فلبس الحرير والذهب حلال على النساء حرام على الرجال، ومن لبسه من الرجال لغير ضرورة فهو متشبه بالنساء، ويحصل التشبه في اللباس، ويراعى كل مجتمع بحسب ما تعارف عليه، فأي لبسة تختص بالرجل لا يجوز أن تلبسها المرأة وكذلك اللبسة التي تختص بالمرأة لا يلبسها الرجل وإلا حصل التشبه ومما سمعنا أن بعضهن يلبس بدلة رجالية أو تقوم بحياكة ثوبها على هيئة ثوب الرجل، وكذلك الرجل إذا لبس فستانا فإنه متشبه ويحصل التشبه في قصات الشعر فتتشبه بعض الشابات بالشباب الذكور بمحاكاتهم في نفس قصات الشعر فتعمد الفتاة إلى قص شعرها (قصة الولد) ويشمل التشبه تقليد الأصوات كأن تقلد المرأة صوت الرجل أو يقلد الرجل صوت المرأة، وكذلك يحصل التشبه في لبس الأحذية فلا يجوز أن تلبس المرأة حذاء رجاليا ولا أن يلبس الرجل حذاء نسائيا، وما حصل من بعض الشباب من التشبه بالنساء فهو ميوعة نشأت عن دلع وترف تربى عليه هذا الشاب أو كثرة المخالطة للنساء حتى أصبح هذا الشاب يميل إلى حياة النساء والتشبه بهن في لباسهن وحركاتهن ويقلد أصواتهن ومن يفعل ذلك من الشباب فهم قليل ولكن لشناعة فعلهم وارتيادهم الأماكن العامة وتسكعهم في الأسواق واستنكار المجتمع لصنيعهم، كل ذلك أعطاهم هالة إعلامية توحي بأن عددهم كثير وهم قلة جدا.



الموقف من المتشبه من النساء بالرجال والمتشبه من الرجال بالنساء



يجب نصحهم وإرشادهم ويبين لهم حكم الشرع في عملهم وأنه محرم ومن اتصف به عليه اللعنة، وأن هذا الانحراف يهدد حياتهم وشخصيتهم ويالمناصحة يمكن أن يهتدوا فيتوبوا وهو المطلوب وإلا فقد أقيمت الحجة عليهم وبرئت ذمة الناصح، فإن حصلت استجابة منهم وإذعان للحق فهذا خير وإن لم تحصل استجابة واستمر المتشبه على غيه فيجب تجنبه وعدم مخالطته وبهذا نكون أجبنا عن السؤال وبينا الحكم بالأدلة نسأل الله لكم الثبات والتوفيق والعصمة.







الحذر من الوقوع في مخالفة شرعية







بعض النساء تطلق لنفسها العنان في تغيير خلقتها وتقليد الآخرين بحثا عن مظهر جمالي فيه مخالفة شرعية وتجاوز للحد المشروع من الزينة فتلجأ إحداهن إلى وصل شعرها بشعر آخر وتسمى (المستوصلة) ومنهن من تنتف شعر حواجبها وتسمى (المتنمصة) وهناك من تلبس ملابس لا تسترها فهي كاسية عارية، وهذه الصور جاء النهي عنها في الشرع الحكيم. عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية رضي الله عنه عام حج وهو على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حرس فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه، ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم" [رواه البخاري ومسلم].



قال النووي عند شرحه للحديث:" الحرس كالشرطي وهو غلام الأمير قوله (يا أهل المدينة أين علماؤكم) هذا السؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكار هذا المنكر وغفلتهم، وفي حديث معاوية هذا اعتناء الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر وإشاعة إزالته وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن توجب ذلك عليه قوله صلى الله عليه وسلم (إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذا نساؤهم) قال القاضي: قيل إنه كان محرما عليهم فعوقبوا باستعماله وهلكوا بسببه، وقيل يحتمل أن الهلاك به وبغيره مما ارتكبوه من المعاصي فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا أو فيه معاقبة العامة بظهور المنكر والله سبحانه أعلم" [النووي ج7ـ ص 344].



عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" [متفق عليه].



وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت له امرأة في ذلك، فقال: مالي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم" [متفق عليه].



الوشم: هو غرز إبرة في الكف أو غير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة فيخضر.



المتفلجة: هي التي تبرد من أسنانها ليتباعد بعضها عن بعض قليلا وتحسنها.



المتنمصة: التي تطلب الأخذ من شعر حاجبيها.



وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها من مسيرة كذا وكذا" [رواه مسلم].



قال النووي: "معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها، وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه وقيل: تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها، (مائلات): عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، (مميلات) أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم وقيل مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن ومعنى رؤسهن كأسنمة البخت أي يكبرنها، ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها، وهذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع". أ هـ شرح صحيح مسلم للنووي ج 7 ص 345.



فلنحذر من سخط الله وأليم عقابه لمن خالف أمره وعصاه ولنطهر أنفسنا من الذنوب والمعاصي بالتوبة والسعي إلى طاعة الله حتى نلقى الله وهو راض عنا.



تاريخ النشر: الاثنين 9/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127