الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الحكمُ بالشريعة الإسلامية خير للراعي والرعية (1) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


الحكمُ بالشريعة الإسلامية خير للراعي والرعية (1)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



الحكم بالشريعة الإسلامية عبودية لله رب العالمين، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لًمُؤْمًن وَلَا مُؤْمًنَة إًذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخًيَرَةُ مًنْ أَمْرًهًمْ) [الأحزاب- 36] فمن يرد أن يحقق العبودية لربه، وينل رضاه ويسلم من سخطه وأليم عذابه، فلا يُقدم على حكم الله وأمره أي حكم، ولا يسأل عن الحكمة من أوامر الله، أو أنه لا يعمل بها إلا بعد معرفة فائدتها ومعرفة مردودها على حياته، ومن كانت حاله كذلك فعنده نقص في العبودية، فلا يعمل بالعبادات إلا بعد معرفة الحكمة منها، فمقتضى الذل والخضوع للخالق العظيم العليم الحكيم يستلزم عدم السؤال عن الحكمة من الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات المالية وغيرها وفي الحدود الشرعية، وهذا الاستسلام من العبد لأمر ربه هو عمل العبد الصادق في عبوديته لثقته بربه، لأنه جل وعلا لا يأمر إلا بما هو خير للعبد وللبشرية جمعاء، وما يصلح دنياهم وآخرتهم، فإن جاء التصريح بذكر الحكمة من الأحكام الشرعية فيقبل كما قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة- 183] فوضحت الآية الكريمة أن الصيام يورث التقوى، وقد كتبه الله على عباده لنفعه لهم وما فيه من الفوائد الكثيرة، وكما في قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) [البقرة- 179] فذكر المولى أن القصاص من الجاني فيه حياة للآخرين، لأن في اتلاف نفس الجاني حسم لمادة الشر، فبعض الجناة إذا أمن العقوبة استرسل في جرمه وأفسد في الأرض، فبعد أن يقتل نفسا واحدة يتعدى إلى قتل الأنفس الكثيرة، فجاءت الشريعة الإسلامية بالقصاص منه إذا لم يتنازل أولياء الدم، والحكم بالشريعة الإسلامية والرضا بها مقتضى الإسلام الصحيح والإيمان الصادق قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء- 65].

الحكم بالشريعة خير للراعي

من ولاه الله أمر المسلمين فقد تحمل حملا عظيما، وهو في منصب تكليف وتشريف، ويجب عليه إقامة العدل وحفظ حقوق الأمة ومصالحها والعمل على إعزازها ورفع شأنها وحفظ أمنها وثرواتها، وتمكين الأمة من إعداد جيش قوي يحمي حدودها من أطماع المعتدين ويجعلها أمة مهابة بين الأمم، ومن النصح للأمة ألا يولى عليها إلا الأمناء الأقوياء ممن يوثق فيهم ولا يشك في نصحهم لقومهم قال تعالى: (إن خير من استأجرت القوي الأمين) [القصص- 26].

وحكم الراعي بالشريعة يسعده في الدنيا والآخرة فإن ولي الأمر بالحكم بالشريعة الإسلامية يرجو رضا ربه ورحمته وتوفيقه ومزيد فضله والتمكين في الأرض، قال تعالى: (الَّذًينَ إًن مَّكَّنَّاهُمْ فًي الْأَرْضً أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بًالْمَعْرُوفً وَنَهَوْا عَنً الْمُنكَرً وَلًلَّهً عَاقًبَةُ الْأُمُورً) [الحج- 41].

فالحاكم قد أوصله الله بقضائه وقدره إلى الحكم ومنصب القيادة للأمة ومكنه من التصرف في شؤون البلاد والعباد، فليشكر الحاكم ربه ويراقب أمر مولاه فيُحَكًم شريعة الإسلام ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يلتفت إلى السفهاء والجهال والإباحيين وأعداء الإسلام ممن يرغبون في إقصاء الحكم بالشريعة الإسلامية ليخلوا لهم الجو فيظهروا في الأرض الفساد، ويعملوا بما يوافق نزواتهم ومصالحهم الخاصة دون رقيب أو حسيب، فإن وفق الله الحاكم وحكم بالشريعة الإسلامية فليأخذ هذه البشارة من النبي صلى الله عليه وسلم "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل......) الحديث [رواه البخاري ومسلم]، وسيجمع الله له بين عز الدنيا بالتمكين فيها والظهور على حساده، وعز الآخرة برضا الله ودخول الجنة التي فيها الخلود في النعيم، ومن يحكم بالشريعة الإسلامية سينل محبة المسلمين واحترامهم وتقديرهم أبد الدهر وسيورثه ذلك السيرة العطرة حيا وميتا فليتوكل على ربه وليعزم على فعل ما أمر الله به من العمل بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبالعمل الصادق المخلص لله ستزول كل العقبات ويكون التأييد من الله، فالحاكم المسلم لا يخشى إلا الله قال تعالى: (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) [التوبة- 13] فهو يحكم بالشريعة الإسلامية امتثالا لأمر الله، رضي من رضي وسخط من سخط، فهو يسعى في نجاة نفسه أولا لأنه سيقدم على يوم عظيم يكون فيه الحساب على ما قدم، يوم لا ينفع فيه قرابة ولا مال ولا ملك (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وهو يسعى في صلاح مجتمعه بتحكيم شريعة الله فيهم، ويكون بذلك براءة ذمته من التكليف الذي تحمله، ونال التشريف الذي وهبه الله بأن أتاه الله الملك.

الحكم بغير ما أنزل الله كفر

قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [المائدة- 50] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات بما يضعونها من آرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة من عند ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من احكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الحكام من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب ربهم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل أو كثير (أفحكم الجاهلية يبغون) أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن نقل عن الله شرعه وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء" أ هـ

وفي بعض الدول الإسلامية يحكم بالقوانين الوضعية وهذا مخالف لما أمر الله به في تحيكم الشريعة الإسلامية قال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة- 44].

وهذه الآية الكريمة صريحة في خطورة تعطيل الشريعة مبينة أن المسألة كفر وإيمان وأن القضية لا تحتاج إلى استفتاء شعبي، فربما خالفت الأكثرية الحق قال تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) [الأنعام- 116] وكل مجتمع تكون اراؤه بحسب التربية والنشأة التي يعيش في ظلالها، والمجتمعات الإسلامية لا تعارض تطبيق الشريعة وقد تفهموا أن ذلك من مصلحتهم ويفرضه عليهم دينهم، وإنما أردنا هنا بيان أن المسألة كفر وإيمان لا يستفتى فيها الناس، فهي شريعة من لدن حكيم خبير (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) وعلى الراعي والرعية أن يسعوا في خلاص أنفسهم من سخط الله وأن يحذروا مما يوجب الكفر والنفاق، لكي يسعدوا في دنياهم وأخراهم فإنهم لم يخلقوا عبثا وكل سينال جزاء ما قدم.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم كتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وألف بينهم وبين شعوبهم واجعلهم هداة مهتدين وانصر الإسلام والمسلمين.



تاريخ النشر: الاثنين 28/4/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127