الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الصلاة.. الصلاة.. الصلاة (03) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


الصلاة.. الصلاة.. الصلاة (3)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



فرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، عندما أُسري بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى المبارك، ثم عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وقد فرضت الصلاة في السماء، وهي عمود الإسلام فما أعظم مكانتها في هذا الدين، وهي خمس صلوات في العدد وخمسون في الأجر، ومضاعفة أجرها فضل ومنَّة من الله على أمة الإسلام، فلا يمكن لكامل الإيمان أن يتهاون فيها فضلا عن أن يتركها، ومن يحافظ عليها تشهد له الملائكة عند ربه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وآتيناهم وهم يصلون" [رواه مالك ومسلم والبخاري].

ومن كان كذلك فهو مثاب مقرب من ربه في رجاء من رحمة ربه، أما المفرط فيعاقب ويندم ساعة لا ينفع الندم، وقد قسم ابن القيم حال الناس في الصلاة إلى خمسة أقسام:

الأول: الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول في مجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها لئلا يضيع شيء منها بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي قد استغرق قلبه شأن الصلاة عبودية ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظراً بقلبه إليه مراقبا له ممتلئا من محبته وعظمته، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم ما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين، فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه. أ هـ

فالصلاة قربة إلى الله وهي أحب الأعمال إليه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم اي؟ قال:"بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" [رواه البخاري ومسلم].

الصلاة على كل حال

عندما مرض عمران بن حصين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" [رواه البخاري].

وعمران الذي أصابه مرض البواسير، والشاهد من الحديث أن المكلف ما دام عقله لم يصبه خلل فهو مطالب بالصلاة بحسب حاله فإن عجز عن القيام لها صلى قاعدا، فإن عجز عن ذلك، صلى على جنب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظم مكانه الصلاة، فما جواب المعافى في جسده المتهاون في الصلاة، ولا تسقط الصلاة في السفر، قال تعالى (وَإًذَا ضَرَبْتُمْ فًي الأَرْضً فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَن تَقْصُرُواْ مًنَ الصَّلاَةً) [النساءـ 101] فالمسافر يصلي الرباعية ركعتين، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيد في صلاة الحضر" [رواه البخاري ومسلم].

وفي حالة الجهاد في سبيل الله ومع اشتداد الكرب وحصول الخوف ولكن ذلك لا يعني ترك الصلاة، فلا بد من الصلاة، قال تعالى (وَإًذَا كُنتَ فًيهًمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئًفَة مًّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلًحَتَهُمْ فَإًذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مًن وَرَآئًكُمْ وَلْتَأْتً طَآئًفَة أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حًذْرَهُمْ وَأَسْلًحَتَهُمْ) [النساءـ 102] وهذا في حال اجتماعهم خلف إمام واحد فتصلي طائفة معه الركعة الأولى ويجلس الإمام وهم يتمون ثم ينصرفون ثم تأتي الطائفة الثانية فتدخل مع الإمام ويصلي بهم ما بقي له وهم يتمون بعده وينتظر ثم يسلم بهم، فتكون الطائفة الأولى دخلت معه في البداية، والطائفة الثانية دخلت معه بعد انصراف الأولى وأكملت إلى النهاية مع الإمام، وهذه صفة من صفات ما يسمى بصلاة الخوف، وفيها إشارة إلى أهمية الصلاة بشكل عام وصلاة الجماعة خاصة حتى انها يجتمع لها في هذه الحالة الصعبة، فاين من يتخلف عن الجماعة، جالسا مع النساء والأطفال في المنزل أو متابعا لشاشات الدمار وهو في حال أمن، ألا يخشى أن يسلبه الله هذا الأمن ويبدله خوفاً، فليتب المتخلف عن الجماعة وليذكر ربه فمن أدى حق الله في الرخاء أعانه الله في الشدة ثم لنتأمل ماذا قال الله عز وجل بعد ذكره لإقامة الصلاة على هذه الصفة في حالة الحرب قال تعالى (فَإًذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قًيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبًكُمْ فَإًذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقًيمُواْ الصَّلاَةَ إًنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمًنًينَ كًتَاباً مَّوْقُوتاً) [النساءـ 103] وصلاة المسافر وصلاة الخوف شرعت لأداء فريضة الصلاة في جميع الحالات والأوقات سفرا وحضرا وأثناء القتال، ولا تترك الصلاة إلا في حالات خاصة كالجنون أو في حالة الحيض بالنسبة للمرأة، ويدرب عليها الصغير المميز الذي لم يبلغ ويعاتب لتركها، حتى يعتادها وينشأ عليها فتسهل عليه ولا يتركها.

قال الناظم:

وأن يصح مجنون ويبلغ ذو صبى

وتطهر من حاضت ويُسلًمُ معتد



فالحائض تترك الصلاة لأنها تسقط عنها الصلاة حالة الحيض فإن طهرت صلت ولم تقض ما تركته حال حيضتها ونذكر موقفا حصل لرجل دخل على زوجته ليلة الزفاف وبعد الحديث الودي الذي دار بينهما أخبرته الزوجة أنها لا تصلي وهذا إشارة منها أنه لا يحل له أن يأتيها الليلة لأنها حائض، ولم يفهم الإشارة الزوج الجاهل بدينه، وكانت المفاجأة أن قال الزوج وأنا أيضا لا أصلي فاستغربت الزوجة (فهل هو حائض ايضا؟!) وتيقنت هذه المرأة الصالحة الفقيهة بأحكام دينها أنها وقعت في مشكلة فقد تزوجت من لا يصلي، وهل سيتوب؟ ومتى ذلك؟ ولذلك يجب السؤال عن دين الرجل وأخلاقه قبل تزويجه، وأين حال هذا الرجل التارك للصلاة من أمثال صلة بن اشيم فقد تزوج صلة بن اشيم ثم دخل على زوجته فقام يصلي وأطال ثم قال: دخلت الليلة بيتا أذكرني الجنة، وهذا الصنف من العباد يشعر أن الزواج نعمة من الله عليه، ومن أكثر نعم الله علينا التي تستحق الشكر والقيام بأداء الصلاة حتى يرضى الرب فيزيد في النعم في الدنيا وتكون العاقبة في الآخرة في السرور برؤيته سبحانه وبحمده والظفر بجنته.



تاريخ النشر: الاثنين 11/2/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127