الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أجيبوا نداء الحق (4) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


أجيبوا نداء الحق (4)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



من أجاب دعوة ربه وعمل بما يرضيه، فإن الله يستجيب دعاءه ويثيبه على عمله ويحفظه ذخراً له في الآخرة، قال تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنًّي لاَ أُضًيعُ عَمَلَ عَامًل مًّنكُم مًّن ذَكَر أَوْ أُنثَى)[آل عمران-195]، وإجابة نداء الحق (الأذان) تكون على نوعين:

الأول: إجابة المؤذن بترديد ما يقول من ألفاظ الذكر مع استحضار لمعانيها العظيمة مع احتساب للأجر وطمع في فضل الله ورحمته المترتب على هذه الإجابة.

الثاني: الاستجابة العامة لأمر الله في امتثال جميع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، والإيمان بما في نداء الحق وتعلمه والعمل بمقتضاه، فهو يؤدي إلى حياة القلوب وسلامة الأبدان والسعادة في الدارين، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُواْ اسْتَجًيبُواْ لًلّهً وَلًلرَّسُولً إًذَا دَعَاكُم لًمَا يُحْيًيكُمْ) [الأنفال-24]، وفي هذه الاستجابة الفلاح والنجاح، ومغفرة الذنوب والنجاة والسلامة من سخط الله وأليم عذابه، قال تعالى (يَا قَوْمَنَا أَجًيبُوا دَاعًيَ اللَّهً وَآمًنُوا بًهً يَغْفًرْ لَكُم مًّن ذُنُوبًكُمْ وَيُجًرْكُم مًّنْ عَذَاب أَلًيم وَمَن لَّا يُجًبْ دَاعًيَ اللَّهً فَلَيْسَ بًمُعْجًز فًي الْأَرْضً وَلَيْسَ لَهُ مًن دُونًهً أَولًيَاء أُوْلَئًكَ فًي ضَلَال مُّبًين) [الأحقاف:31-32].

الأفضل الصلاة في أول الوقت

ومن الإجابة القيام لأداء الصلاة المفروضة، وذلك يشمل كل من سمع المؤذن أو علم بدخول وقت الصلاة، وكانت الصلاة واجبة عليه، فالنساء ومن لا يستطيع الذهاب إلى المسجد من الذكور يؤدونها في أماكنهم، ومن سمع النداء من الذكور والمسجد قريب منه فيجب عليه إجابة النداء، والذهاب إلى صلاة الجماعة حيث ينادى بها، لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر)، رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن يسمع النداء بأن يتخلف عن الجماعة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخّص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال له: (هل تسمع النداء بالصلاة؟) قال: نعم، قال: (فأجب) [رواه مسلم].

وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) [رواه البخاري ومسلم]، وهذا التحذير لمن لا يجيب النداء ويتخلف عن الجماعة في المسجد.

مسائل فقهية تتعلق بالأذان

1- الأذان فرض كفاية والدليل على وجوبه حديث مالك بن الحويرث قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) [رواه البخاري ومسلم].

2- لا يشترط الوضوء للأذان والأفضل أن يكون على طهارة، أما حديث (لا يؤذن إلا متوضئ) فقد ضعفه الترمذي، وعلة تضعيفه هي الانقطاع بين الزهري وأبي هريرة فإن الزهري لم يسمع من أبي هريرة.

3- الصلوات التي لا أذان لها هي صلاة العيد وصلاة الاستسقاء، عن جابر قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة) [رواه مسلم]، وفي صلاة الكسوف ينادى (الصلاة جامعة) لأنها صلاة تحصل من غير توقيت فهي حالة طارئة، وظاهرة يخوف الله بها عباده فيشرع عندها صلاة خاصة والدعاء والاستغفار.

4- الأذان مشروع في الحضر والسفر، وللفرد والجماعة.

5- في حالة الجمع لصلاتين في السفر أو عند الحاجة للجمع في المطر وفي الخوف فإنه يشرع النداء بأذان واحد وهو للأولى ويكون بإقامتين والدليل حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. [رواه مسلم].

6- الأذان يكون من ذَكَري فلا يسن الأذان في حق النساء.

7- إذا أذن المؤذن فمن كان في المسجد فلا يخرج حتى يصلي المكتوبة إلا إذا خرج لعذر، ففي الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه رأى رجلا يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان فقال أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم [رواه مسلم]. قال النووي: فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة.

8- يشترط لصحة الأذان أن يكون عند دخول الوقت للصلاة المفروضة وأن يرفعه مسلم ذكر عاقل، وأن تكون كلمات الأذان متوالية فلا يفصل بينها فاصل طويل، ويرتب بحسب الألفاظ المشروعة فلا يقدم ولا يؤخر.

9- اتخاذ مسجل للأذان لا يصح، لأن الأذان عبادة فلا يوكل في أدائها إلى آلة ترددها، ولكن إلى ذكر مسلم عاقل، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك:(إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) وفي ذلك منع للخير عن الناس.

10- قد يطلق لفظ الأذان على الإقامة قال صلى الله عليه وسلم (بين كل أذانين صلاة) [رواه البخاري ومسلم].

11- الأذان الأول في يوم الجمعة بدأ العمل به في عهد عثمان رضي الله عنه وقد أمر به عثمان عندما رأى تأخر الناس على صلاة الجمعة، وهو تنبيه لكي يستعد الناس لصلاة الجمعة بالاغتسال لها وإتيان المسجد مبكراً وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ومن هؤلاء الخلفاء عثمان رضي الله عنه، والأذان الأول للجمعة هو سبيل إلى تحقيق واجب وهو حضور صلاة الجمعة وخطبتها، وعلى هذا العمل استمرت الحال عند أمة الإسلام.

12- إجابة المؤذن بترديد ما يقول مستحبة وليس بواجبة وقال جمهور أهل العلم الدليل على عدم وجوبها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع مؤذناً فلما كبر قال (على الفطرة) فلما تشهد قال: (خرجت من النار) قالوا: لو كانت الإجابة واجبة لقال صلى الله عليه وسلم كما قال المؤذن، فلما لم يقل دلَّ على أن الأمر للاستحباب.

الصلاة خير من النوم

هذه الكلمات لم ترد إلا في أذان صلاة الفجر خاصة وتقال مرتين الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، بعد قول: حي على الفلاح، ومن يردد خلف المؤذن فإنه يرددها كما هي فيقول: الصلاة خير من النوم، والوقت الذي تقال فيه يكون أغلب الناس قد استغرق في النوم، ففي هذه الكلمات تذكير بأن الصلاة خير من النوم، فعلى أهل الإيمان ذكوراً وإناثاً أن يجيبوا النداء ويستيقظون من النوم لأداء صلاة الفجر في وقتها المشروع، ليحصل لهم براءة من النفاق، فإن صلاة الفجر ثقيلة على المنافقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) [رواه البخاري ومسلم]. ولا عذر لمن لا يصلي الفجر في وقتها، فمن أراد الاستيقاظ للفجر فليحرص على الأسباب المعينة على ذلك ومنها:

1- النوم المبكر وعدم السهر.

2- قراءة الورد عند النوم ومنه المعوذات مع التفث ومسح الجسم وقراءة آية الكرسي وآخر آيتين من سورة البقرة.

3- اتخاذ منبه، وإن كان في البيت من يستيقظ في ذلك الوقت فيوصيه أن يوقظه معه، ولا ينسى الإخلاص لله والدعاء والاحتساب فما من خير إلا بفضله، ومع التعود والتكرار يصبح الاستيقاظ للفجر في وقتها سهلاً على النفس.

وصلاة الفجر معيار لقياس الإيمان، وبها يستفتح العبد يومه الجديد بعبادة ربه، ومن ينام عنها فهو على خطر من سخط ربه وقد فاته الخير الكثير، فليراجع حساباته وليستغفر ربه، ومن يصلي الفجر لا يدخل النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يلج النار أحدي صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) [رواه مسلم].

"فالصلاة خير من النوم" وكيف لا يكون ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ (وَسَبًّحْ بًحَمْدً رَبًّكَ قَبْلَ طُلُوعً الشَّمْسً وَقَبْلَ غُرُوبًهَا)) [رواه البخاري ومسلم].

فأجيبوا نداء الحق (الصلاة خير من النوم) ولتكن الإجابة قولاً مثل قول المؤذن (الصلاة خير من النوم) وعملاً بترك المضجع والنهوض لذكر الله والصلاة قال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنً الْمَضَاجًعً يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمًمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفًقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْس مَّا أُخْفًيَ لَهُم مًّن قُرَّةً أَعْيُن جَزَاء بًمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:16-17]، فهم أجابوا النداء وهجروا الرقاد وقاموا لرب العباد فشكر الله عملهم وقد أعد لهم من النعيم ما لا يخطر على قلب بشر. نسأل الله الكريم من فضله وأن يوفق جميع المسلمين لما يحبه ويرضاه.



تاريخ النشر: الاثنين 7/1/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127