الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أجيبوا نداء الحق (3) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                
أجيبوا نداء الحق (3)

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



الحمد لله الذي منَّ علينا بنعمة السمع، وشرّع لأهل الإسلام النداء للصلوات بالأذان، ومتعهم بسماع صوت نداء الحق (الأذان) يدوّي مقرّاً بوحدانية الله الخالق الذي لا رب للعالمين غيره، ولا معبود بحق سواه، ومقراً برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وداعياً إلى إقامة فريضة الصلاة، وقد جعل الله هذا النداء شعاراً لديار الإسلام، وأمر بإجابة نداء الحق ورتب على تلك الإجابة عظيم الأجر وجزيل المثوبة والفوز بالجنة والنجاة من النار، ومن سمع النداء فلم يجب فيا خيبته، وما أكبر خسارته وما أسوأ مستقبله، وفي الآخرة عندما يُسأل فما هي إجابته؟ قال تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فًي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مًنَ الْمُصَلًّينَ) [المدثر:42ـ43]، فيا عباد الله اشكروا مولاكم على نعمه التي أعطاكم ومنها نعمة السمع، فمن سمع نداء الحق فليجب ما دام في زمن المهلة، فسوق العمل قائمة والتجارة مع الله رابحة، قال تعالى (إًنَّ اللّهَ اشْتَرَى مًنَ الْمُؤْمًنًينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بًأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) [التوبةـ111]، فمن انتهى عمره وجاءه أجله حيل بينه وبين سماع نداء الحق ولم يستطع الإجابة، قال تعالى (وَمَا أَنتَ بًمُسْمًع مَّن فًي الْقُبُورً) [فاطرـ22]، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، وتفاعلوا مع نداء الحق (الأذان) واجعلوه سبباً للتوقف عن أعمال الدنيا، واقبل على ما ينفعكم في الدنيا والآخرة وهو ذكر الله والصلاة المفروضة ولسان حالكم ومقالكم يمتثل قول الله تعالى (رَبَّنَا آتًنَا فًي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفًي الآخًرَةً حَسَنَةً وَقًنَا عَذَابَ النَّارً) [البقرةـ201].

الأذان يطرد الشيطان

الشيطان يخنس ويندحر عند ذكر الله، فهو يبتعد عن الذاكر لله والذاكرات ويضعف أمامهم، وهو ينفر من المكان الذي يُتلى فيه كتاب الله كما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان لينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) [رواه مسلم].

ومن قرأ آية الكرسي عند نومه لم يقر به شيطان حتى يصبح، عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) حتى تختم الآية فإنك لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أما إنه صدقك وهو كذوب ذاك شيطان) [رواه البخاري ومسلم].

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على إحياء البيوت بطاعة الله، قال صلى الله عليه وسلم (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً) [رواه البخاري].

فالبيوت يقرأ فيها القرآن وتصلى فيها النافلة ويذكر فيها الله وتكون خالية من أصوات الموسيقى ومشاهد الصور المحرمة، فإذا تحقق فيها ذلك كان حرزاً لها من دخول الشياطين.

ومما يطرد الشيطان الأذان، عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن حجر في الفتح (وقد اختلف العلماء في الحكمة في حروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له، وقيل يهرب نفوراً عن سماع الأذان ثم يرجع موسوساً ليفسد على المصلي صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما الاستخفاف، وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه، وقيل يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق وإقامة الشريعة، وقال ابن الجوزي على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، وقيل لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ولا ينقص منها، قال ابن بطال: يشبه أن يكون الزجر عن الخروج من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبهاً بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان والله أعلم) أ هـ

والشيطان عداوته قديمة لبني آدم، قال تعالى (إًنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتَّخًذُوهُ عَدُوّاً) [فاطرـ6]، وعلى ذلك نبحث عن الوسائل التي تساعد على إبطال كيد هذا العدو، ومن الوسائل رفع الأذان وترديد ما يقول المؤذن وإجابة المؤذن بالقيام للصلاة والسجود لله وحده لا شريك له، وطاعة الله في كل ما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر.

أخطاء تقع من المؤذنين

1ـ الأذان قبل دخول الوقت، فالمؤذن يرتبط به الناس في معرفة وقت الصلاة للقيام بأدائها، خاصة من يصلون في البيوت من النساء، ومن لا يستطيع الذهاب للمسجد، فإذا أخطأ المؤذن فأذن قبل دخول الوقت، فمن يصلي بناء على أذانه فإنه يكون قد صلى قبل دخول الوقت، وفي هذه الحالة تكون الصلاة غير صحيحة، فإذا علم بأنه صلى قبل الوقت فيلزمه الإعادة، فالمؤذن لا بد أن يكون على معرفة بالأوقات الشرعية للصلوات الخمس، وله أن يعرف ذلك عن طريق التقويم للبلد الذي يؤذن فيه، ويتحرى الأوقات الشرعية للصلاة ليلاً ونهاراً ويحتاط لهذا الأمر، فإن كثيراً من المسلمين يتحرون الأذان للقيام للصلاة أو الإمساك للصوم أو الفطر، وهذا يجعل المؤذن في حال المسؤولية التي يجب أن يراعيها وهو مأجور على عمله.

2ـ العجلة المخلة بالأذان ودمج بعض الحروف حتى أن السامع لا يفقه كلمات الأذان.

3ـ التكلف في رفع الأذان وآدائه بطريقة الإنشاد مع التمطيط مما يؤدي إلى إطالة مدته، مع العلم أنه يفضل أن يكون حسن الصوت، ويتأنى في الأذان دون تكلف ويسرع في الإقامة دون إخلال، وما وافق السنة فهو المحمود.

4ـ قول المؤذن: آلله أكبر والصحيح: الله أكبر، لأن من يقول آلله أكبر فهذا منه استفهام، كما قالت هاجر لإبراهيم عليه السلام:(آلله أمرك بهذا؟) عندما تركها وصغيرها في مكة، ومن الخطأ أن يلحن في الأذان، قال الشيخ صالح البليهيـ رحمه اللهـ (الأذان الملحون هو الذي فيه خطأ من جهة الإعراب، إذا لم يحل المعنى كما لو رفع لفظة الصلاة أو نصبها ففيه الكراهية، فإن أحال المعنى حرم كما لو قال الله وأكبر) [السلسبيل في معرفة الدليل].

من طرائف المؤذنين

وهذه المواقف ننقلها كما سمعناها، دون تأكد من صحتها أو معرفة لأسانيدها، ونحن في حلي من الزيادة والنقصان فيها وهي تنقل للتفكه بها وهي محتملة الوقوع.

ذكر لي أحد الموظفين في وزارة الأوقاف أن مراقباً للمساجد دخل في مسجد من المساجد التي يتابعها وكان المؤذن يؤذن لصلاة الفجر، يقول المراقب عندما دخلت المسجد لم أشاهد المؤذن عند الميكرفون وما زلت أسمع صوت الأذان بحثت في أرجاء المسجد لم أرَ المؤذن، لاحظت أن سلكاً يمتد من جهاز الميكرفون، تابعته فإذا به يوصلني إلى غرفة المؤذن، دفعت باب الغرفة فإذا بالمؤذن مستلقي ومعه ميكرفون ويؤذن على راحته دون أن يحتاج إلى الذهاب إلى منبر المسجد لكي يؤذن هناك، وإذا جاء وقت الإقامة فالأمر سهل. وسمعت من يحدث بأن مؤذناً أذن قبل دخول الوقت بفترة كبيرة وفي أثناء الأذان دخل عليه شخص المسجد ليتداركه فلما أشار إليه أنك مخطئ وقد بكرت فنادى في مكبر الصوت (تراه أذان ما هو صبحي) وهكذا ننقل الموقف بألفاظه العامية، لأن أهل اللغة يقولون إذا كان في الموقف طرفة فلا تغير ألفاظه وتستبدلها بألفاظ اللغة العربية فإن ذلك يذهب بطرافته ولكنه ينقل بلهجة صاحبه.

وينبغي أن يكون المؤذن عليه آثار الصلاح لأنه في محل القدوة لغيره، وهي يمثل وظيفة دينية وأهل الوظائف الدينية هم أولى الناس بالالتزام بتعاليم الإسلام، وأن يحفظ شيئا من كتاب الله بما يجعله مستطيعاً لأن يخلف الإمام إذا غاب ولا يحتاج إلى أن يقدم أحداً للإمامة، فإن رأى أن يقدم غيره لأمر ما، فليقدم من عليه آثار السنة والعلم، ولا يقدم جاهلاً لا يحسن قراءة القرآن، أو حالقاً للحيته أو مسبلاً لإزاره فإن الإمامة لها قدر وشأن فلا تمتهن ولا يُمَكَّن منها من تلبس بمعصية الله، وإن كنا مع القول بصحة إمامة العاصي لأن من صحت صلاته صحت إمامته، وإنما أردنا حفظ هيبة الإمامة.

نسأل الله الفقه في الدين والهداية لعصاة المسلمين.



تاريخ النشر: الاثنين 31/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127