الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

قصة الذبيح... وما يستفاد منها - الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 15 / 08 / 2008
                                


قصة الذبيح... وما يستفاد منها

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن قصة إسماعيل مع أبيه إبراهيم التي لأجلها تم افتداء إسماعيل بذبح عظيم كما قال تعالى (وفديناه بذبح عظيم) [الصافاتـ 107]، وهو ذبح عظيم لأنه فداء لإسماعيل وعظيم لأن إبراهيم ذبحه تقربا إلى الله، وهذه القصة هي أن نبي الله إبراهيم عليه السلام تأخر في الإنجاب جدا حتى أصبح شيخا كبيرا وليس له ذرية، ومن في سنه لا ينجب وقد بشرته الملائكة بأنه سيرزق بمولود، وكان الاستغراب لهذا الأمر شديدا من قبل زوجته فقالت (أَأَلًدُ وَأَنَاْ عَجُوز وَهَـذَا بَعْلًي شَيْخاً إًنَّ هَـذَا لَشَيْء عَجًيب) [هودـ72]، والشيخ يقال للرجل كبير السن.

نادتني بشيخ ولست بشيخ

إنما الشيخ من يدب دبيبا

ويقال للمرأة كبيرة السن عجوز، ولكن رب العالمين لا يعجزه شيء فهو قادر على أن يرزق من يشاء ما يشاء، فالأنظمة الكونية يمكن أن تتغير أمام قدرة الله جل وعلا (إًنَّمَا أَمْرُهُ إًذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس ـ82 ].

رزق الله إبراهيم الذرية فأنجب على كبر وسمى أحد أبنائه إسماعيل وذهب به وأمه إلى أرض مكة وكانت أرضا جرداء لا ماء ولا نبات (فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت) [رواه البخاري عن ابن عباس].

ولما نفد الماء وخافت أم إسماعيل على نفسها وعلى وليدها الصغير نزل جبريل وحرك الأرض فخرج الماء، وصدقت أم إسماعيل فالله متكفل برزق عباده ولا يضيع من توكل عليه، وكبر إسماعيل وأصبح غلاما يسعى مع أبيه في خدمته، قال تعالى (فلما بلغ معه السعي) وهنا رأى إبراهيم أنه يذبح ابنه إسماعيل لله، وهذه الرؤيا في المنام ورؤيا الأنبياء حق، وهي نوع من أنواع الوحي، فالوحي له عدة طرق:

1ـ عن طريق الملك جبريل.

2ـ الوحي عن طريق الإلهام كما حصل لأم موسى عليه السلام.

3ـ الوحي عن طريق الرؤيا في المنام كما حصل لإبراهيمـ عليه السلام.

وهذا خاص بالأنبياء والمرسلين أما غيرهم فرؤياهم ليست وحيا، فإن كان صالحا ورأى رؤيا يفرح بها ويستأنس بها على أنها دليل خير، ويخبر بها من يحب ولا يصح ترجمتها إلى واقع يعمل به.

أبلغ إبراهيم ابنه بما رأى في منامه قال تعالى (قَالَ يَا بُنَيَّ إًنًّي أَرَى فًي الْمَنَامً أَنًّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) [الصافاتـ 102]، هكذا تم إخبار إبراهيم لابنه الذي أصبح غلاما وأصبح والده شديد التعلق به وأصبح حاضر المنفعة وبذلك سيصعب الفراق على إبراهيم، ولكنه الابتلاء الصعب، وهذا الولد كان قمة في الإيمان والبر بوالده والتسليم لحكم الله، فانظر إجابته لوالده، قال تعالى (قَالَ يَا أَبَتً افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجًدُنًي إًن شَاء اللَّهُ مًنَ الصَّابًرًينَ) [الصافاتـ 102]، أي امتثل أمر الله وهذه هي العبودية لله دونما اعتراض وعلق الصبر بالمشيئة فلم يمدح ويتباهى بأنه سيتحمل الذبح بل قال (إن شاء الله من الصابرين)، ولأنه لا يستطيع الصبر إلا بمعونة من الله وبمشيئته وبتقويته له.

ثم ذكر تعالى ما حصل فيما بعد، قال تعالى (فلما أسلما) استسلم الأب والابن لأمر الله وعقد العزم إبراهيم على ذبح ابنه لله، قال تعالى (وتله للجبين)، قال أهل التفسير: وطرحه على الأرض، وهنا تم افتداء إسماعيل، قال تعالى (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إًبْرَاهًيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إًنَّا كَذَلًكَ نَجْزًي الْمُحْسًنًينَ إًنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبًينُ وَفَدَيْنَاهُ بًذًبْح عَظًيم) [الصافات: 104ـ107]، والذبح كبش ذبحه إبراهيم عن إسماعيل.

ما يستفاد من هذه القصة العظيمة

1ـ أن الله على كل شيء قدير فقد رزق إبراهيم الذرية على كبر سنه.

2ـ قوة إيمان إبراهيم بربه ونجاحه في الابتلاء.

3ـ قوة إيمان إسماعيل مع صغر سنه، فمن تربى على الإيمان بالله والأخلاق الفاضلة ينشأ مطيعا لربه، مطيعا لوالديه، متحملا ما يترتب على هذه الطاعة من تعب ومشقة محتسبا الأجر على الله، ورادا لجميل ما فعله معه والداه وهو صغير، والطاعة للوالدين لا تعني أن الابن لو قال له والده اقتل نفسك لفعل ذلك، بل هنا لا تجوز الطاعة لأن ذلك معصية والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وما حصل من إبراهيم مع ولده فهو أمر من الله، وابتلاء من الله لإبراهيم، وأثبت إبراهيم أن ربه أحب إليه من ابنه لذلك شرع في ذبحه حتى فداه الله.

4ـ فضيلة الصبر وأنه معه ينال العبد رضا ربه وبالصبر يكون الظفر.

5ـ أهمية الصدق مع الله وأن الصدق سبب للنجاة فلما صدق إبراهيم عليه السلام مع ربه أبقى له ولده ورضي عنه.

6ـ إن الفرج قريب بإذن الله، فلما تحمل إبراهيم وابنه هذا الكرب وسعيا في امتثال أمر الله حصل الفرج بالفداء.

7ـ الاهتمام بتربية الأبناء، فهذا إسماعيل لما لم يترب على الترف والنعومة كان موقفه حازما، وكلامه بليغا وقويا يدل على التماسك وهو صغير في السن.

8ـ أن الحياة ميدان ابتلاء واختبار قال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [الملكـ 2]، وعلى المؤمن أن يعد نفسه لهذا الابتلاء بالعلم النافع والإيمان بربه وأن يتحلى بالحلم والصبر ويسأل ربه السلامة من الفتن ويطلب من ربه أن ينجح في هذا الاختبار في هذه الدنيا.

9ـ فضل الأنبياء وفضل أولي العزم من الرسل ومنهم إبراهيم عليه السلام.

10ـ تقديم أمر الله على كل محبوب من نفس أو أهل أو مال.

11ـ المبادرة إلى فعل ما أمر الله به واجتناب من نهى الله عنه، فذلك سيجلب الخير العظيم في الدنيا والآخرة.

12ـ حسن العاقبة لأولياء الله فهذا إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل جعل الله لهما حسن العاقبة فلهما الذكر الطيب في العالمين، وأصبحا قدوة في الخير، وجعل الله في ذريتهما النبوة، وعاقبة كل متق حميدة بإذن الله، بخلاف أولياء الشيطان فإن عاقبتهم سيئة وفي النهاية ينالون الخيبة والخسران، والسمعة السيئة.

ندعو الله أن يجعلنا من أوليائه الممتثلين ما أمر الله به، المجتنبين لما نهى الله عنه الراجين رحمته الخائفين من سخطه وعقابه، الفائزين برضوانه وجنانه والصلاة والسلام على نبينا الهادي محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم القيامة.



تاريخ النشر: الاثنين 24/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127