الشيخ فلاح إسماعيل مندكار

الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة (2) الشيخ فلاح إسماعيل

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                

الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة (2)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

تقدم معنا في المقال السابق نشأة الأشاعرة والمراحل التي مر بها أبو الحسن الأشعري رحمه الله وتعالى، وإتماما لما ذكرنا أقول:

قد خالف الأشاعرة المتأخرون بما قعّده لهم وأصّله أئمتهم ما كان عليه سلف الأمة الكرام في أبواب الدين وأصول الإيمان، فصرحوا وما زالوا بتباين طريقتهم ومنهجهم لمنهج السلف الكرام في طريقة الاستدلال والاحتجاج في مسائل الاعتقاد مستحسنين لقواعدهم وأصولهم التي ما زالوا يتعلقون بها ويظنوها أدلة شرعية قطعية وأنها الهدى والنور، ومتعلقين بنسبتهم إلى الإمام أبي الحسن غير ملتفتين إلى رجوعه إلى الحق وطريق السلف، ومنكرين مؤلفاته على الرغم من صحة ثبوتها ونسبتها إليه رحمه الله، فما زالوا ينسبون الإمام إلى البدعة وينكرون رجوعه إلى الحق والسنة ثم يزعمون أنهم أتباعه وأنصاره.

فها هم- وعلى خلاف منهج الإمام أبي الحسن- يصرحون بوجوب تقديم العقل على النقل وكذلك بعدم الاحتجاج بأحاديث رسول الله في العقيدة بحجة أنها آحاد وإن كانت في الصحيحين أو في إحدهما، وكذلك بوجوب تأويل النصوص وعدم إجرائها على ظاهرها، مخالفين قواعد السلف والصحابة ثم يزعمون أنهم أهل السنة والجماعة.

واحدة من هذه القواعد المخالفة تكفي للخروج عن الجماعة، فكيف بها مجتمعة في الأشاعرة، استخفاف بالنصوص وترجيح لعقول أئمتهم وآحادهم وتقديم ذلك كله على كتاب الله وعلى سنة رسوله، توزن النصوص بميزان العقل فما وافق عقولهم أثبتوه وما خالف عقولهم ردوه أو حرفوا معناه.

ثم كيف يزعمون- وبلا حياء- أنهم أهل السنة والجماعة وهم ما زالوا يقررون أن مذاهب الأمة في الاعتقاد على ضربين: مذهب السلف، ومذهب الخلف.

والسلف هم الصحابة- رضي الله عنهم- وهم الجماعة كما جاء في حديث النبي المشهور في افتراق الأمة عندما قال: «كلها في النار إلا واحدة» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الجماعة»، وفي رواية قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

والجماعة الحق، والحق والإصابة والنجاة في دين الله هو ما كان عليه النبي والصحابة، أي السنة والجماعة، فالسنة ما ثبت عن رسول الله وحياً، والجماعة الصحابة في فهمهم ومناهجهم في تقرير مسائل الاعتقاد مما جاء من الكتاب والسنة.

وتتلخص طريقتهم في تقديم النقل تقديما مطلقا، وعدم التفريق بين النصوص الشرعية، فالقرآن والسنة والمتواتر والآحاد يفيد العلم ويوجب العمل والتصديق على السواء، ثم إجراء جميع النصوص على الظاهر والحقيقة لا المجاز إلا ما أوجبه الدليل النقلي لا العقلي.

وأما مذهب الخلف وهم في الحقيقة خلوف تفرقوا واضطربوا بسبب بعدهم عن نور الوحي وقدموا العقل، وفرقوا بين النصوص قبولا وردا بمقتضى ما تمليه عليهم عقولهم، ثم عاثوا فسادا في النصوص باسم التأويل الذي هو التحريف لأنهم يخرجونها عن مضامينها وعن حقيقتها بقواعد عقلية وأدلة منطقية استحسنوها وزعموا أنها هي القواطع الواجب أتباعها، وأما نصوص الوحي فمدارها على الظن والتخريص، وتدور بين ظنية الثبوت فترد ويقدم المعقول عليها، وبين ظنية الدلالة فيحرفونها عن مواضعها بأنواع المجازات والخيالات العقلية.

فالفرق واضح بين لكل متجرد معظم للكتاب والسنة والصحابة، وكما ذكرت فإنهم في جميع كتبهم يقررون أن هناك مذهبا للسلف، ومذهبا للخلف، وهذا دليل الإقرار بالفرق، ثم وبلا حياء يقررون أن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهذا تأكيد وإمعان في تقرير الفرق والاختلاف، ولكن العجب العجاب أنهم بعد هذا كله يقولون ويزعمون أن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.

جاء في جوهرة التوحيد: وكل نص أوهم التشبيها أوّله أو فوّض ورم تنزيها

وقال البيجوري في حاشيته: «أوّله أي حمله على خلاف الظاهر مع بيان المعنى المراد، فالمراد أوّله تأويلا تفصيليا بأن يكون فيه بيان المعنى المراد كما هو مذهب الخلف، وهم من كانوا بعد الخمسمائة، وقيل بعد القرون الثلاثة.

وقوله أو فوض أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى على طريقة السلف، وهم من كانوا قبل الخمسمائة وقيل القرون الثلاثة: الصحابة والتابعون واتباع التابعين، وطريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم وهي الأرجح ولذلك قدمها المصنف، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى....فظهر مما قررناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي لأنهم يصرفون النص الموهم عن ظاهره المحال عليه تعالى...» [ص 52].

هكذا وبلا حياء ولا خجل يرجحون مذهبهم الكلامي الفلسفي على مذهب خير القرون، على مذهب الجماعة والصحابة، وهكذا يكذبون على الصحابة بأنهم أهل تأويل إجمالي بمعنى أنهم لا يقررون أي معنى لآيات الصفات التي وصفوها بأنها توهم التشبيه، فاتهموا النصوص بأن فيها تشبيها للخالق بالمخلوق وتفتقر إلى تنزيه الباري وكأنهم، أعلم بالله وبما يليق من نفسه تبارك وتعالى، واتهموا رسول الله بأنه وصف ربه بما ظاهره التشبيه وعدم التنزيه وكأنهم أعلم من رسول الله بما يليق بالله وبمدلولات الألفاظ والمعاني والأوصاف، سبحانك هذا بهتان عظيم، ثم كذبوا على الصحابة أيضا واتهموهم بالتأويل وصرف الألفاظ عن ظاهرها.

ثم وبعد هذا كله يزعمون أنهم هم الجماعة، وكأنهم نسوا أنهم أرجح في مذهبهم وفي معرفة ما يليق بالله، وما زالوا يرجحون مذهب الخلف على مذهب السلف، فحري بهم ألا يقولوا أنهم هم أهل السنة والجماعة لأن مذهب السنة والجماعة مرجوح عندهم، وليصرحوا بأنهم أفضل من الصحابة في فهم وتطبيق نصوص الكتاب والسنة وأعقل وأعلم وأكثر حكمة كما هم يزعمون.

أما مسألة خلق القرآن عند الأشاعرة فهذا ما ستعرفه في المقال القادم إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.


الشيخ الدكتور: فلاح إسماعيل مندكار


تاريخ النشر: الاثنين 12/3/2007

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :


الاسم: يوسف
البلد: المغرب
التعليق: بارك الله فيك يا شيخ فلاح وهدى الله بكمإلى صراط مستقيم اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه آمين




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127